الخميس 29 يناير 2026 الموافق 10 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

"سجل وطني للأئمة".. مقترح أسترالي يثير غضب المسلمين حول العالم

الرئيس نيوز

أثارت تصريحات رئيس الوزراء الأسترالي السابق سكوت موريسون جدلا واسعا داخل المجتمع الأسترالي وخارجه، بعد أن دعا إلى إنشاء سجل وطني للأئمة وإلزامهم بالحصول على اعتماد رسمي، إضافة إلى توسيع قوانين التدخل الأجنبي لتشمل المؤسسات الدينية الإسلامية. 

ووفقا لصحيفة الجارديان البريطانية اعتبرت هذه الدعوة، التي جاءت في خطاب ألقاه بمؤتمر عن معاداة السامية في القدس، من قبل منظمات إسلامية وحقوقية "هجوما خطيرا على الحرية الدينية" و"محاولة لتقويض المساواة أمام القانون". 

إلا أن موريسون برر مقترحاته بالهجوم المسلح المستلهم من تنظيم داعش الإرهابي الذي وقع في بوندي وأسفر عن مقتل 15 شخصا، لكنه سرعان ما واجه انتقادات واسعة من قادة الجالية الإسلامية الذين وصفوا تصريحاته بأنها "متهورة، خطيرة، ومغذية للكراهية". وأكدت الصحيفة البريطانية أن الخطاب لم يكن مجرد مقترح إداري بل خطوة سياسية مثيرة للانقسام.  

ووصفت منظمة الاتحاد الفيدرالي للمجالس الإسلامية (AFIC)، وهي أكبر هيئة تمثل المسلمين في أستراليا، تصريحات موريسون بأنها "هجوم سافر على الحرية الدينية والمساواة أمام القانون". كما حذر رئيس الاتحاد، الدكتور راتب جنيد، من أن مثل هذه الدعوات تخلق انقسامًا بين "مسلمين مقبولين" و"مسلمين غير مقبولين"، وتجعل السياسيين في موقع الحكم على العقيدة الإسلامية نفسها. هذا النوع من الخطاب، بحسب جنيد، لا يمثل قيادة مسؤولة بل يفتح الباب أمام خطاب الكراهية ويمنح غطاء اجتماعيا للإسلاموفوبيا المتصاعدة في البلاد.  

وكان المجلس الوطني للأئمة (ANIC)، الذي يضم أكثر من 300 إمام وقائد ديني، أكثر وضوحًا في رفضه لتصريحات موريسون، واصفا إياها بأنها "مبنية على جهل عميق". وأشار المجلس إلى أن الدعوة لترجمة النصوص الإسلامية إلى الإنجليزية تكشف عن "جهل أساسي"، إذ إن الترجمات موجودة بالفعل وتستخدم على نطاق واسع. كما ذكر المجلس بأن الهجوم الإرهابي الذي نفذه الأسترالي برينتون تارانت في كرايستشيرش عام 2019 وأسفر عن مقتل 51 مسلما لم يحمل أي جالية ديني مسؤوليته، وطالب بتطبيق نفس المعيار مع المسلمين في أستراليا.  

من جانبه، أكد المبعوث الفيدرالي لمكافحة الإسلاموفوبيا، أفتاب مالك، أن الذين يروجون للعنف لا يمثلون الإسلام، وأن مواجهة التطرف أمر ضروري، لكنه شدد على أن ذلك لا يجب أن يكون ذريعة لتقييد الحريات أو فرض رقابة على العقيدة. كما حذر من أن الخلط بين الإجرام والشعاير اليومية للمسلمين الأستراليين يقوض الثقة ويضعف الجهود الحقيقية لحماية المجتمع بأسره. هذا التحذير يعكس مخاوف متزايدة من أن الخطاب السياسي الذي يستهدف المسلمين قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يخلق شعورا بالعزلة والتمييز ويغذي بيئة خصبة للتطرف.  

وحتى داخل المؤسسات الرسمية، لم تمر تصريحات موريسون دون انتقاد. أقر مفوض التمييز العنصري في أستراليا، جيريداران سيفارامان، بأن الحرية الدينية تأتي متلازمة مع المسؤولية، لكنه حذر من أن استهداف جالية واحدة يؤدي إلى شعوره بالوصم والتمييز، ويخلق "هرمية" غير عادلة حول الهوية المقبولة وغير المقبولة. هذا النوع من السياسات، بحسب سيفارامان، يعزل المسلمين ويجعلهم يشعرون بأنهم "غير أستراليين"، وهو ما قد يغذي بدوره التطرف الذي يدعي موريسون أنه يسعى لمحاربته.  

واتخذت الحكومة الحالية بقيادة أنطوني ألبانيزي موقفا مغايرا تماما، إذ وصف وزير الصناعة الدفاعية بات كونروي تصريحات موريسون بأنها "مقلقة ومثيرة للمشاكل"، مؤكدًا أن المسلمين "جزء أساسي من المجتمع الأسترالي" وأنهم كانوا من أوائل من أدانوا هجوم بوندي. هذا الموقف يعكس رؤية الحكومة الحالية التي تركز على "سياسة اللطف" وتعزيز التماسك الاجتماعي بدلًا من تغذية الانقسامات.  

ويعكس الجدل الذي أثاره موريسون صراعا أوسع داخل أستراليا حول كيفية التعامل مع قضايا الأمن والإرهاب دون المساس بالحريات الأساسية. ففي حين يرى البعض أن فرض رقابة على المؤسسات الإسلامية قد يعزز الأمن، يرى آخرون أن هذه السياسات تفتح الباب أمام التمييز وتغذي خطاب الكراهية. هذا التوتر بين الأمن والحرية ليس جديدا، لكنه يتجدد مع كل حادثة إرهابية، ويضع المجتمع الأسترالي أمام اختبار صعب حول قيمه الأساسية.  

ويمكن القول إن تصريحات موريسون كانت انعكاسًا لرؤية سياسية مثيرة للجدل، تضع المسلمين في موقع الاستهداف وتغذي الانقسام المجتمعي. ردود الفعل الغاضبة من المنظمات الإسلامية والحقوقية، إضافة إلى انتقادات الحكومة الحالية، تؤكد أن المجتمع الأسترالي يرفض أن يحمل دين بأكمله مسؤولية أعمال أفراد متطرفين، لكن القضية تكشف عن الحاجة الملحة إلى خطاب سياسي مسؤول يعزز الوحدة الوطنية ويحمي الحريات الدينية، بدلا من أن يفتح الباب أمام الكراهية والانقسام.