مؤشر الدولار يواصل الهبوط وسط مخاوف اقتصادية وجيوسياسية
واصل مؤشر الدولار الأمريكي تراجعه في الأسواق العالمية خلال الأيام الماضية، مع تزايد الضغوط الناتجة عن المخاوف من السياسات التجارية والمالية التي تقودها الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب القلق المتصاعد بشأن ارتفاع الدين السيادي والتوقعات بخفض أسعار الفائدة مستقبلًا.
وقد انعكس هذا التراجع في ضعف أداء الدولار مقابل سلة من العملات الرئيسة، فيما اتجه المستثمرون إلى أصول بديلة أكثر أمانا، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.
وكشفت بيانات حديثة أن مؤشر الدولار تراجع خلال تعاملات الأسبوع الماضي إلى مستويات قرب 99.11 نقطة، مع زيادة الطلب على عملات تقليدية مثل الين الياباني والفرنك السويسري، بينما ضعف الطلب على الدولار على الرغم من حالة عدم اليقين في الأسواق.
وتشير التحولات في حركة العملات إلى أن الكثير من المستثمرين يعيدون التوازن إلى محافظهم المالية بعيدا عن الدولار في ظل تصاعد المخاطر السياسية والاقتصادية.
الأسباب الرئيسية للتراجع
يربط محللون هذا الانخفاض في قيمة الدولار بعدة عوامل متداخلة:
أولا، التصعيد التجاري والسياسي الأخير المتمثل في تهديدات بفرض تعريفات جمركية على واردات من عدة دول أوروبية، في محاولة للضغط في ملف جرينلاند، أدى إلى زيادة شعور عدم اليقين الاقتصادي العالمي.
وقد دفعت هذه الخطوة المستثمرين إلى البحث عن ملاذات آمنة من خارج نطاق الدولار بدلًا من الاعتماد عليه في أوقات التوتر، ما عزز الطلب على الذهب والعملات الآمنة الأخرى.
وثانيا، هناك توقعات متزايدة بخفض سعر الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في الفترة المقبلة، مع اتجاه الأسواق لمعايرة توقعات السياسة النقدية في ضوء ضعف بعض البيانات الاقتصادية الأمريكية.
وقد أشار عدد من المحللين إلى أن الأسواق باتت تتوقع أن يظل الفيدرالي في وضع التيسير لفترة أطول، مما يقلل من جاذبية الدولار مقارنة بعوائد الأصول الأخرى.
وثالثا، يؤدي ارتفاع مستويات الدين السيادي والضغوط المالية إلى تراجع ثقة بعض المستثمرين في القوة المستمرة للدولار كملاذ آمن.
وقد أظهرت تقديرات اقتصادية أن الدولار الأمريكي قد خسر أكثر من 9 بالمئة من قيمته مقابل سلة من العملات خلال عام 2025، وهو أكبر انخفاض سنوي منذ سنوات طويلة، ما يعكس تآكلًا في أدائه على المدى البعيد.
تأثيرات عالمية وتوجهات المستثمرين
هذا التراجع في الدولار لا ينعكس فقط على قيمة العملة الأمريكية، بل يمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية بالكامل. ففي الهند على سبيل المثال، ساعد ضعف الدولار في تخفيف الضغط على الروبية، التي كانت تحت ضغط شديد بسبب خروج رؤوس الأموال الأجنبية.
وتوقع محللون أن تراجع الدولار قد يمنح العملة الهندية بعض الراحة القصيرة الأجل، رغم استمرار التحديات الأساسية في سوق العملات.
وفي الأسواق الأوروبية، أدى ضعف الدولار وتزايد المخاطر إلى ارتفاع أسعار الذهب والفضة إلى مستويات قياسية جديدة، حيث تم اللجوء إلى المعادن الثمينة كأصول آمنة بديلة عن الدولار، مع تزايد التوترات الجيوسياسية والضبابية في السياسات المالية.
كما تأثرت أسواق الأسهم العالمية بالتراجع في الدولار، حيث شهدت العقود الآجلة للأسهم الأمريكية والأوروبية تراجعًا ملحوظًا، في ظل مخاوف المستثمرين من أن استمرار النزاع التجاري والسياسي قد يدفع إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي العالمي، وهو ما يزيد من الضغط على الأسواق المالية.
توقعات المحللين للمرحلة المقبلة
يرى بعض الخبراء أن مؤشر الدولار قد يستمر في هبوط أعمق خلال 2026 مع استمرار توقعات خفض أسعار الفائدة الأمريكية، في حين توقع عدد من بنوك وول ستريت الكبرى أن يواصل الدولار مساره الهابط خلال العام الحالي إذا تواصلت البيانات الاقتصادية المخيبة للآمال وتوسع الفيدرالي في تبني سياسات تيسيرية.
من ناحية أخرى، لا يزال بعض المحللين يركزون على الدور المرتقب لبيانات الناتج المحلي الإجمالي ومؤشر أسعار النفقات الاستهلاكية الأساس (PCE) التي من المرجح أن تشكل مؤشرًا مهمًا في تحديد الاتجاه المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي وقراراته بشأن أسعار الفائدة، الأمر الذي سيكون له تأثير مباشر على قوة الدولار، وفقا لصحيفة لايت فاينانس.
وبينما تواصل الأسواق العالمية مراقبة تحركات مؤشر الدولار عن كثب، يبقى السيناريو العام يشير إلى تحول في تصور المستثمرين نحو المخاطر المرتبطة بالسياسات التجارية والسياسية الأمريكية، ما أدى إلى تراجع الدولار وارتفاع الطلب على الأصول الآمنة والملاذات البديلة.
وهذا لا يعكس فقط الديناميكيات المالية فحسب، بل يعكس أيضًا تصاعد حالة عدم اليقين الاقتصادي العالمي التي قد تمتد تأثيراتها على كافة جوانب الأسواق في الفترة المقبلة.





