الإثنين 12 يناير 2026 الموافق 23 رجب 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

24 شحنة غاز طبيعي مسال من قطر إلى مصر.. ما دلالات الصفقة اقتصاديًا وسياسيًا؟ | عاجل

الرئيس نيوز

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، وقّعت مصر اتفاقية جديدة مع دولة قطر لتوريد الغاز الطبيعي المسال وتعزيز التعاون في قطاع الطاقة، في خطوة تعكس سعي القاهرة إلى تثبيت أمن الطاقة وتنويع مصادر الإمداد، وسط بيئة دولية وإقليمية مضطربة تتداخل فيها حسابات الاقتصاد بالسياسة.

وجاء الاتفاق المصري–القطري بعد أسابيع قليلة من إعلان اتفاق طويل الأجل بين مصر وإسرائيل، وهو ما وضع السياسة المصرية في ملف الطاقة تحت مجهر سياسي وإعلامي داخلي وخارجي، وفتح نقاشًا واسعًا حول توازن المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والأخلاقية المرتبطة بالحرب في قطاع غزة، وفقًا لصحيفة ذا ناشيونال.

تأمين احتياجات الصيف وضمان استقرار الكهرباء

ويستهدف الاتفاق بالأساس تأمين احتياجات مصر المتزايدة من الغاز خلال فترات الذروة، لا سيما أشهر الصيف التي تشهد ارتفاعًا حادًا في استهلاك الكهرباء. وبموجب الترتيبات الجديدة، من المنتظر أن تستقبل مصر نحو 24 شحنة من الغاز الطبيعي المسال القادم من قطر، عبر موانئ العين السخنة ودمياط، بما يعزز قدرة الشبكة القومية للكهرباء على مواجهة الضغط المتزايد.

تراجع الإنتاج المحلي وضغوط الطلب

وتواجه مصر منذ عدة أعوام تحديًا متناميًا يتمثل في تراجع الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي، مقابل ارتفاع مستمر في الطلب بفعل النمو السكاني والتوسع العمراني والصناعي. ورغم الاكتشافات الكبرى التي تحققت في شرق المتوسط خلال العقد الماضي، فإن معدلات الإنتاج لم تعد كافية وحدها لتغطية الاستهلاك المحلي، ما دفع الحكومة إلى البحث عن حلول سريعة ومرنة عبر الاستيراد.

في هذا السياق، تبرز قطر كأحد أبرز اللاعبين العالميين في سوق الغاز الطبيعي المسال، باعتبارها من أكبر المصدرين في العالم، وتمتلك بنية تحتية متقدمة وقدرات تصديرية ضخمة. ولا يقتصر التعاون بين القاهرة والدوحة على الجانب التجاري فقط، بل يمتد إلى شراكات فنية واستثمارية في مجالات التخزين والنقل والبنية التحتية والاستكشاف، وهو ما يمنح الاتفاق بعدًا إستراتيجيًا يتجاوز فكرة تأمين الشحنات الموسمية.

رسائل سياسية 

وتحمل الاتفاقية دلالات سياسية لا يمكن فصلها عن توقيتها، إذ جاءت بعد إعلان رئيس وزراء جيش الاحتلال الإسرائيلي عن اتفاق ضخم لتصدير الغاز إلى مصر حتى عام 2040، وهو إعلان أثار موجة انتقادات واسعة داخل مصر، في ظل الغضب الشعبي من العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة وسقوط عشرات الآلاف من الضحايا الفلسطينيين.

ورغم تأكيد الحكومة المصرية أن الاتفاق مع إسرائيل ذو طبيعة تجارية بحتة ولا يحمل أي التزامات سياسية، فإن الرأي العام ظل متحفظًا تجاه أي اتفاقيات تُبرم مع تل أبيب في هذا التوقيت.

هامش مناورة أوسع للقاهرة

ومن هنا، يرى محللون أن الاتفاق مع قطر يمنح القاهرة هامشًا أوسع للمناورة، ويساعدها على إظهار أنها لا تربط أمنها في ملف الطاقة بطرف واحد، ولا تجعل من إسرائيل شريكًا حصريًا في هذا الملف الحساس. كما أن اختيار قطر، التي تلعب دورًا محوريًا في الوساطة بملف غزة وتتبع خطابًا داعمًا لإعادة إعمار القطاع، يضيف بعدًا رمزيًا يخفف من حدة الانتقادات الموجهة للسياسة المصرية.

تعزيز دور مصر كمركز إقليمي للغاز

اقتصاديًا، يعزز الاتفاق طموح مصر في ترسيخ مكانتها كمركز إقليمي لتجارة وتسييل الغاز في شرق المتوسط، مستفيدة من بنية تحتية نادرة في المنطقة تشمل محطات إسالة قادرة على استقبال الغاز من مصادر متعددة وإعادة تصديره للأسواق العالمية. ومن خلال توسيع شراكاتها مع دول منتجة كبرى مثل قطر، تسعى القاهرة إلى تعظيم الاستفادة من هذه الميزة وتحويلها إلى رافعة اقتصادية مستدامة.

مكاسب قطرية وحضور متنامٍ في شرق المتوسط

في المقابل، تستفيد قطر من تعزيز حضورها في السوق المصرية وتوسيع نفوذها في شرق المتوسط، سواء عبر الاستثمارات المباشرة أو الشراكات التقنية، بما ينسجم مع إستراتيجية الدوحة الرامية إلى تنويع أسواقها وتعميق علاقاتها مع دول محورية في المنطقة، في ظل منافسة عالمية متصاعدة بين كبار مصدري الغاز.

سياسيًا، يعكس الاتفاق محاولة مصرية للفصل بين ملفات الطاقة والملفات الدبلوماسية الشائكة دون القطيعة مع أي طرف، في إدراك واضح بأن الاستقرار الاقتصادي يتطلب قرارات براغماتية في مجال الطاقة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الدور المصري التقليدي كوسيط إقليمي، لا سيما في القضية الفلسطينية.

ومع ذلك، يبقى هذا التوازن عرضة للاختبار في ظل تطورات إقليمية متسارعة، تشمل استمرار الحرب في غزة، وتصاعد التوترات في شرق المتوسط، وتغير خريطة التحالفات الطاقية عالميًا. فكل تصعيد جديد يعيد طرح الأسئلة حول حدود الفصل بين الاقتصاد والسياسة، وقدرة القاهرة على الحفاظ على هذا الخط الرفيع دون كلفة داخلية أو خارجية.

وتُمثل اتفاقية الغاز بين مصر وقطر خطوة مهمة في مسار إعادة ترتيب أولويات القاهرة، وتأكيدًا على سعيها لتعدد الشراكات وتخفيف الاعتماد على مصدر واحد. لكنها في الوقت ذاته تكشف حجم التعقيد الذي بات يحيط بملف الطاقة في المنطقة، حيث تتشابك المصالح الاقتصادية مع الصراعات السياسية، ويغدو كل اتفاق رسالة تتجاوز بنوده وأرقامه إلى ما هو أبعد من ذلك.