تراجع الثقة أم اعتبارات أمنية؟.. أمريكا تسحب قاذفات "بي-1" من قاعدة فيرفورد في بريطانيا
اتخذت الولايات المتحدة خطوة عسكرية لافتة بإعادة قاذفات "بي-1" المنتشرة في قاعدة فيرفورد البريطانية إلى قواعدها داخل الأراضي الأمريكية، في تحرك جاء بعد أيام من حادث أمني أثار مخاوف من استهداف القاعدة التي استخدمتها واشنطن في عمليات ضد إيران. وأكد مسؤول في البنتاجون، الأحد 4 أكتوبر، إعادة جميع القاذفات الأمريكية الموجودة في فيرفورد إلى قواعدها الأصلية، بينما أحاطت وزارة الدفاع تفاصيل القرار بقدر كبير من السرية، وفقا لمجلة نيوزويك.
رحيل سريع بلا إعلان عسكري
كشفت مواقع تتبع حركة الطائرات عن مغادرة قاذفات "بي-1" قاعدة فيرفورد تباعا خلال الأحد، قبل أن يؤكد البنتاجون عملية إعادة الانتشار. وذكرت المجلة الأمريكية أن نحو 12 قاذفة "بي-1" كانت متمركزة في القاعدة، وهو الرقم الذي أكدته تقارير أخرى، فيما شدد البنتاجون على أن أمن العمليات منعه من تأكيد تحركات الطائرات والقوات في وقتها الفعلي.
ولا يعني القرار أن واشنطن فقدت القدرة على استخدام قاذفاتها بعيدة المدى ضد أهداف في الشرق الأوسط، إذ تستطيع طائرات "بي-1" تنفيذ مهام بعيدة من قواعدها الأمريكية، لكن سحبها من فيرفورد يقلص إحدى نقاط الانتشار المتقدمة التي تمنح القوات الأمريكية مرونة وسرعة أكبر في المنطقة الأوروبية.
أسبوع أمني ثقيل
جاء الانسحاب بعد واقعة أمنية وقعت قرب القاعدة في 27 سبتمبر، عندما اعتقلت السلطات البريطانية خمسة رجال تتراوح أعمارهم بين أوائل ومنتصف العشرينيات للاشتباه في التحضير لأعمال إرهابية ومخالفات مرتبطة بالمتفجرات. وأثارت الواقعة عمليات إجلاء لنحو 85 منزلا، فيما فتشت الشرطة ثلاث مركبات ولم تعثر على متفجرات قابلة للاستخدام، قبل الإفراج عن المشتبه بهم بكفالة.
ثم اعتقلت السلطات البريطانية رجلا سادسا يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية، في إطار التحقيق نفسه، قبل الإفراج عنه بكفالة لاحقا. وقالت أجهزة مكافحة الإرهاب البريطانية إنها تدرس جميع الاحتمالات، بما في ذلك احتمال تورط دولة أجنبية، بينما تحدث رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام عن "مؤشرات قوية" على دور إيراني محتمل.
أصابع الاتهام تتجه إلى طهران
من جانبها، تنفي إيران أي علاقة بالواقعة وتصف الاتهامات بأنها بلا أساس. لكن ملف فيرفورد لا يبدأ مع اعتقالات سبتمبر، فالقاعدة كانت قد دخلت بالفعل دائرة التهديدات الإيرانية خلال يوليو، بعدما أعلن الحرس الثوري أن أي قاعدة بريطانية تستخدم في عمليات ضد الأراضي الإيرانية يمكن اعتبارها هدفا مشروعا. وجاء التحذير بعدما اتهمت طهران واشنطن باستخدام قاذفات "بي-1" انطلاقا من فيرفورد.
ويضيف هذا السياق بعدا أكثر حساسية لقرار الانسحاب، خصوصا أن فيرفورد تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى نقطة مهمة في العمليات الجوية الأمريكية المرتبطة بالحرب مع إيران. وكانت الحكومة البريطانية قد سمحت للولايات المتحدة باستخدام القاعدة في عمليات دفاعية محددة ضد قدرات صاروخية إيرانية.
هل تراجعت الثقة بين لندن وواشنطن؟
هل تعكس عودة القاذفات إلى الولايات المتحدة أزمة ثقة في قدرة بريطانيا على حماية قاعدة تستضيف أسلحة أمريكية استراتيجية؟ المؤشرات المتاحة لا تكفي لإثبات ذلك. فالقرار جاء في توقيت شديد الحساسية وبعد حادث أمني وتحقيق لم يحسم بعد طبيعة التهديد أو الجهة التي تقف خلفه. كما أن البنتاجون لم يعلن أن سحب القاذفات جاء بسبب ضعف الحماية البريطانية، بل اكتفى بتأكيد إعادة الطائرات إلى قواعدها الأمريكية لأسباب مرتبطة بأمن العمليات.
لكن التزامن بين الحادث والانسحاب يصعب تجاهله؛ فواشنطن أعادت 12 قاذفة من قاعدة سبق أن هددتها طهران علنا، بينما لا تزال التحقيقات البريطانية تبحث احتمال وجود صلة إيرانية بالواقعة. لذلك يبدو الاعتبار الأمني حتى الآن التفسير الأكثر ترجيحا، فيما تبقى فرضية تراجع الثقة بين الحليفين سؤالا سياسيا مفتوحا، لا حقيقة أعلنتها واشنطن أو لندن.