ما الفرق بين نووي إيران وكوريا الشمالية في استراتيجية الرئيس الأمريكي؟| تحليل
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مرارا وتكرارا أن إيران لن تحصل على سلاح نووي، بينما يتحدث عن الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون بلغة مختلفة تماما، مؤكدا أهمية إقامة علاقات جيدة مع قادة الدول النووية الكبرى.
وفي أحدث تصريحاته، دافع ترامب عن علاقته بكيم، وقال إنه من الجيد أن تكون واشنطن على علاقة جيدة مع قادة دول تمتلك قدرات نووية ضخمة، قبل أن يتحدث عن "112 صاروخا نوويا"، من دون توضيح المقصود بالرقم، في وقت كان قد قال في أغسطس إن كوريا الشمالية تمتلك 57 سلاحا نوويا. وفقا لصحيفة "كوريا جونج أنج ديلي".
إيران.. منع واقع نووي جديد
يتعامل ترامب مع إيران انطلاقا من قاعدة مختلفة: منع ظهور قوة نووية جديدة قبل أن تتحول قدراتها إلى ترسانة يصعب تدميرها أو احتواؤها. ويؤكد البيت الأبيض أن هدفه الأساسي يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، بينما يرى محللون أن هذا الموقف يستند إلى اعتقاد أمريكي بأن البرنامج الإيراني ظل، حتى وقت قريب، في مرحلة يمكن استهدافها عسكريا وإخضاعها لضغوط اقتصادية ودبلوماسية.
وفي أغسطس الماضي، كتب فيكتور تشا، رئيس قسم الجغرافيا السياسية والسياسة الخارجية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، أن ترامب اتخذ تجاه إيران موقفا حازما، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا، بينما اتجه إلى إدارة واقع نووي قائم في كوريا الشمالية.
وتزداد أهمية هذا الفارق بعد العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران في 2026. فقد أشار محللون نقلت عنهم "كوريا جونج أنج ديلي" إلى أن الفارق الأساسي يتمثل في امتلاك بيونج يانج أسلحة نووية بالفعل، بينما لم تكن طهران قد وصلت إلى النقطة نفسها.
وقال جون هامري، رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن ضرب كوريا الشمالية سيضع الولايات المتحدة أمام خطر رد نووي مباشر على كوريا الجنوبية، بينما رأى بروس كلينجنر أن امتلاك بيونج يانج عشرات الرؤوس النووية وصواريخ باليستية عابرة للقارات يغير الحسابات العسكرية بصورة جوهرية.
كوريا الشمالية.. التعامل مع ما هو قائم
هنا يتحول هدف ترامب من المنع إلى الإدارة. فقد قال في أغسطس الماضي إن كوريا الشمالية تمتلك 57 سلاحا نوويا "قويا للغاية"، مؤكدا أن امتلاكها لهذه الأسلحة كان خطأ سمح به رؤساء سابقون، لكنه أضاف أن كيم "سيكون بخير" ما دام هو في البيت الأبيض، مستندا إلى العلاقة الشخصية التي يقول إنها تجمعهما. ثم عاد في أكتوبر للحديث عن علاقته الجيدة بقادة القوى النووية، في رسالة تعكس استعداده للتعامل مع كوريا الشمالية باعتبارها واقعا نوويا يجب احتواؤه لا واقعا يمكن ببساطة محوه.
وتكشف الأرقام نفسها حجم عدم اليقين. فقد قدرت "سيبري" في تقريرها لعام 2026 أن كوريا الشمالية جمعت نحو 60 رأسا نوويا، وتمتلك مواد انشطارية تكفي لإنتاج ما لا يقل عن 30 رأسا إضافيا.
وتختلف تقديرات مراكز الأبحاث والمسؤولين الكوريين الجنوبيين، فيما وضعت تقديرات أخرى حجم الترسانة في نطاق يتجاوز 80 رأسا. لذلك فإن رقم "112" الذي طرحه ترامب لا يمكن التعامل معه باعتباره تقديرا مؤكدا لحجم الترسانة الكورية، خصوصا أنه لم يشرح ما إذا كان يقصد الرؤوس النووية أم الصواريخ القادرة على حملها.
لماذا لا يطبق ترامب القاعدة نفسها؟
يقدم فيكتور تشا ثلاثة أسباب رئيسية. أولا، وصلت كوريا الشمالية إلى مرحلة مختلفة تماما من التطور النووي، إذ تمتلك أسلحة ووسائل إيصال متعددة، بينما يرى ترامب أن إيران كانت لا تزال تمثل حالة يمكن منعها. ثانيا، تبدو العقوبات أكثر قابلية للاستخدام ضد طهران، في حين تحظى بيونج يانج بدعم روسي وصيني يجعل نظام العقوبات الدولية أقل فاعلية. ثالثا، يضغط حلفاء واشنطن في الاتجاهين المختلفين؛ فكوريا الجنوبية تخشى اندلاع مواجهة عسكرية مدمرة في شبه الجزيرة، بينما تضغط إسرائيل باتجاه منع إيران من امتلاك السلاح النووي.
ترامب يخفف الضغط العسكري على كيم
انعكست هذه الحسابات على السياسة العسكرية الأمريكية في شبه الجزيرة. فقد أمر ترامب بتقليص المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، وربط القرار بعلاقته الجيدة مع كيم وباعتقاده أن كوريا الشمالية لم تشكل تهديدا خلال الفترة الأخيرة. وتزامن ذلك مع إعلان ترامب استعداده للقاء كيم مجددا، بعد ثلاث قمم عقدها الزعيمان خلال ولايته الأولى في سنغافورة وهانوي والمنطقة منزوعة السلاح، من دون أن تنتج تلك اللقاءات اتفاقا يحد من الترسانة النووية الكورية.
وتبدو بيونج يانج أقل حاجة إلى تقديم تنازلات مما كانت عليه خلال الولاية الأولى لترامب. فقد عززت علاقاتها مع موسكو وبكين، وحصلت على دعم اقتصادي وعسكري من روسيا، بينما يرى محللون كوريون أن هذه الروابط قللت حاجة كيم إلى رفع العقوبات الأمريكية مقابل تنازلات نووية.
المفارقة تصنع سباق الردع
يذهب تحليل الصحيفة الكورية إلى أنه إذا رأى كيم أن امتلاك السلاح النووي هو ما جعل واشنطن تتعامل معه بمنطق التفاوض وإدارة المخاطر، فقد يصبح التخلي عن الترسانة أقل جاذبية. وفي الوقت نفسه، قد تستخلص إيران من التجربة الكورية أن امتلاك قدرة نووية قابلة للبقاء يمنح الدولة مساحة أكبر لردع العمل العسكري الخارجي.
ويشير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن الدول النووية التسع واصلت خلال 2025 تحديث ترساناتها، بينما تتجه كوريا الشمالية إلى توسيع قوتها النووية وتطوير صواريخ جديدة، بينها صواريخ باليستية عابرة للقارات وأنظمة مصممة للتغلب على الدفاعات الصاروخية.