< مقبرة مصرية قديمة تكشف 1000 عام من أسرار الدفن وللكلب مكانة خاصة
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

مقبرة مصرية قديمة تكشف 1000 عام من أسرار الدفن وللكلب مكانة خاصة

الرئيس نيوز

سلطت دراسة أثرية حديثة، نشرت تفاصيلها مجلة "ديسكوفر"، الضوء على أسرار فريدة من نوعها تخص ممارسات الدفن في مصر القديمة عبر الأجيال، وتحديدًا الواقعة في جبانة طيبة عبر نهر النيل مقابل مدينة الأقصر التاريخية. 

تكشف الدراسة التي أجريت على الغرفة الجنائزية الثالثة في المقبرة عن تطورات مذهلة في طقوس الدفن عبر قرون طويلة امتدت لأكثر من ألف عام، بدءًا من الأسرة الخامسة والعشرين (حوالي 754 - 656 قبل الميلاد) ومرورًا بالفترات الفارسية وصولًا إلى العصر البطلمي، مما يوفر نافذة نادرة لفهم التحولات الاجتماعية والثقافية والدينية في مصر القديمة.

وفيما يلي أبرز وأهم ما كشفت عنه هذه الدراسة الأثرية الشاملة:

1. طبقات الدفن المتراكمة وترتيب الأجيال

على مدار قرون طويلة من استخدام الغرفة الجنائزية، ونتيجة لامتلاء المكان تدريجيًا بالموتى، اضطرت الأجيال اللاحقة إلى توفيق أوضاعها مع وجود أجساد سابقة؛ فلم تكن الدفنات الفوضوية مجرد تكديس عشوائي للمومياوات، بل أظهر التحليل الدقيق لتتابع الطبقات الأثرية (Stratigraphy) أن الدفن تم وفق تسلسل وتنظيم دقيق يعكس احترامًا عميقًا للمكان والأجداد. فقد وُضعت الأجساد المتأخرة بعناية فوق السابقة، مع الحفاظ على ترابط هرمي واكتظاظ منظم للمومياوات يشهد على قدرة المصريين القدماء على إدارة المساحات المقدسة بكفاءة عبر الزمن.

2. تغيرات جذرية في الأنماط والوضعيات الجنائزية

شهدت الغرفة تحولات واضحة في أساليب ومظاهر الدفن عكست تقلبات العصور المختلفة، وتميزت الدفنات الأقدم في الغرفة بالثراء الملحوظ والجاهزية العالية، حيث وُضعت الأجساد داخل توابيت مستقلة ومزخرفة، ومحاطة بشباك جنائزية دقيقة الصنع، والعديد من التمائم، والمقتنيات الثمينة داخل جرار فخارية فينيقية ضخمة تعكس النشاط التجاري وتبادل الثقافات.

التحولات اللاحقة: بحلول نهاية الأسرة الخامسة والعشرين وتحت وطأة الحكم الفارسي ثم البطلمي، تغيرت أساليب الدفن تدريجيًا. فظهرت وضعيات جديدة لليدين والجسم، وتحولت نسبة كبيرة من حالات الدفن إلى ما يُعرف بـ "الدفنات المتراكمة" فوق بعضها البعض دون توابيت خشبية مستقلة في كثير من الأحيان، ولكن مع الحفاظ على عناية فائقة بعملية التحنيط وتقنيات الحفاظ على الأجساد.

3. مكانة خاصة للكلب (رابطة الإنسان بالحيوان في العالم الآخر)

من أكثر الاكتشافات إثارة للدهشة والإلهام داخل إحدى مجموعات الدفن التي تعود للعصر البطلمي في الجزء الجنوبي الشرقي من الغرفة، عثور الباحثين على كلب محنّط بدقة دُفن مباشرة فوق أربع مومياوات بشرية (لرجل وامرأة وغيرهم) متراصة فوق بعضها البعض. وأشار الباحث الرئيسي في الدراسة، جاريد كاربالو بيريز، إلى أن وضع حيوان أليف بهذا القرب الشديد من أجساد بشرية يعكس علاقة عاطفية ومعنوية عميقة ومتبادلة امتدت بين البشر وحيواناتهم الأليفة، وهو شعور إنساني أصيل ومألوف حتى يومنا هذا، حيث لم يكن الحيوان مجرد كائن عابر بل فردًا من العائلة.

وإن لم يكن الكلب حيوانًا أليفًا للصحبة المباشرة بالمعنى المعاصر، فريما لعب دور "المرشد الروحي" (Psychopomp)؛ أي الدليل الرمزي الذي يعتقد المصريون القدماء أنه يساعد المتوفى ويحميه في رحلته الخطرة والمجهولة نحو العالم الآخر.

تقدم هذه الاكتشافات نظرة متجددة حول كيفية تعامل المصريين القدماء مع الموت والحياة، وكيف ظلت الروابط الإنسانية والحيوانية حاضرة بقوة حتى داخل حجرات الدفن المكتظة والمظلمة، لتكشف عن جوانب إنسانية دافئة تختبئ خلف جدران المقابر التاريخية.