تصاعد القتال في لبنان وغزة يهدد فرص التهدئة بالشرق الأوسط
تواجه جهود التهدئة في الشرق الأوسط انتكاسة جديدة مع تصاعد القتال بين إسرائيل وحزب الله في لبنان، بالتزامن مع استمرار الضربات الإسرائيلية في غزة وهجمات الحوثيين على سفن في البحر الأحمر واستهداف أخرى في مضيق هرمز، ما يعكس اتساع رقعة التوتر الإقليمي ويزيد الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
ووفقا لبلومبرج، جاءت المواجهات الأخيرة في لبنان خلال عطلة نهاية الأسبوع لتضيف عقبة جديدة أمام المساعي الأمريكية لإنهاء الحروب المتزامنة في المنطقة، بعد أشهر من القتال الذي أصبح مرتبطًا بصورة متزايدة بملفات الأمن والطاقة والممرات التجارية.
وتشكل جبهة لبنان أحد أكثر الملفات حساسية، في ظل استمرار الخلاف حول تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار الذي ترعاه الولايات المتحدة، والذي يتضمن نزع سلاح «حزب الله»، وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي لا تزال تحت سيطرتها، وتولي الجيش اللبناني مسؤولية الأمن في المناطق الجنوبية.
ويهدد استمرار المواجهات بإضعاف الاتفاق، خصوصًا مع بقاء الملفات الأساسية عالقة بين إسرائيل والحكومة اللبنانية و«حزب الله». كما أن أي تدهور إضافي في الجنوب اللبناني قد يفتح جبهة جديدة في وقت تحاول فيه واشنطن احتواء أزمات متعددة في المنطقة في وقت واحد.
غزة تزيد تعقيد المشهد
يتزامن التصعيد في لبنان مع استمرار الضربات الإسرائيلية ضد حركة حماس في قطاع غزة، ما يعكس استمرار الترابط بين الجبهات الإقليمية رغم محاولات التوصل إلى ترتيبات منفصلة لكل أزمة.
وتواجه خطة إنهاء الحرب في غزة عقبات تتعلق بمستقبل القطاع، وسلاح حماس، والانسحاب الإسرائيلي، وشكل الإدارة الفلسطينية المقبلة، إضافة إلى ترتيبات الأمن وإعادة الإعمار.
وتزيد العمليات العسكرية المتزامنة من صعوبة بناء بيئة سياسية مستقرة تسمح بتنفيذ أي اتفاقات طويلة الأمد، إذ تحتاج ترتيبات ما بعد الحرب إلى حد أدنى من الاستقرار على الأرض حتى يمكن الانتقال من وقف القتال إلى إعادة بناء المؤسسات والبنية التحتية.
كما أن استمرار القتال في أكثر من ساحة يمنح الملفات الأمنية أولوية على المسار السياسي، ويجعل أي اتفاق منفرد معرضًا للتأثر بتطورات جبهة أخرى.
البحر الأحمر ومضيق هرمز
لا يقتصر أثر التصعيد على ساحات القتال المباشر، بل يمتد إلى طرق التجارة والطاقة. فالهجمات التي شنها الحوثيون على سفن في البحر الأحمر، إلى جانب استهداف سفن في مضيق هرمز، تزيد المخاوف بشأن سلامة حركة الملاحة في ممرات تعد من أهم شرايين التجارة العالمية.
ويكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية بالنسبة إلى أسواق النفط، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات الطاقة العالمية. وأي اضطراب طويل الأمد في حركة السفن يمكن أن يرفع تكاليف النقل والتأمين ويزيد علاوة المخاطر على أسعار النفط.
وتزامن ذلك مع تعثر المفاوضات بين واشنطن وطهران بشأن إدارة المضيق، في وقت انتهت فيه الفترة البالغة 60 يومًا التي ربطتها تقارير سابقة بمذكرة التفاهم بين البلدين دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
طهران تنفي وجود مهلة نهائية
في المقابل، رفضت إيران توصيف انتهاء الستين يومًا باعتباره انتهاء مهلة تفاوضية ملزمة. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن مذكرة التفاهم الموقعة في 18 يونيو لم تتضمن بندًا يفرض مهلة نهائية مدتها 60 يومًا، موضحًا أن الاتفاق نص على فترة تمتد 60 يومًا لإجراء محادثات بشأن رفع العقوبات والملف النووي، مع إمكانية تمديدها في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
واتهم بقائي الولايات المتحدة بعرقلة انطلاق المحادثات بعد ما وصفه بانتهاك واسع لمذكرة التفاهم، معتبرًا أن الحديث عن انتهاء مهلة الستين يومًا فقد أساسه بعد التطورات التي أعقبت توقيع الاتفاق.
وأكد المسؤول الإيراني في الوقت نفسه استمرار المحادثات مع سلطنة عُمان، موضحًا أن تعقيد الملفات المطروحة وتعدد الأطراف المشاركة فيها ومحاولات بعض الدول تقويض المسار التفاوضي أدت إلى إطالة أمدها.
الملف النووي في صدارة الحسابات الأمريكية
يأتي ذلك في وقت شدد فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن منع إيران من امتلاك سلاح نووي يمثل الهدف الرئيسي لسياسة واشنطن تجاه طهران.
وقال ترامب في منشور على منصة تروث سوشيال إن الهدف الأول للولايات المتحدة سيظل منع إيران، بأي طريقة أو شكل، من امتلاك سلاح نووي. ويضيف هذا الموقف بعدًا جديدًا إلى المفاوضات، إذ تتداخل القضية النووية مع ملف العقوبات، وأمن الملاحة في الخليج، ومستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية.
وتسعى واشنطن إلى استخدام الضغوط الاقتصادية والسياسية لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، بينما تؤكد إيران أن قراراتها ستبقى مرتبطة بمصالحها وأمنها القومي وترفض التفاوض تحت الضغط أو الإنذارات.
تصعيد يتجاوز الحدود
وتزامن المشهد الإقليمي المتوتر مع حادث أمني جديد في العراق، بعدما أعلنت مديرية مكافحة الإرهاب في إقليم كردستان استهداف مكتب رئيس حكومة الإقليم بطائرتين مسيرتين، من دون تسجيل خسائر بشرية، وقالت إن الهجوم انطلق من الأراضي الإيرانية.
ويضيف هذا التطور طبقة جديدة إلى التوتر الإقليمي، خصوصًا في ظل تداخل ساحات المواجهة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة والجماعات المسلحة المتحالفة مع طهران.
ومع استمرار القتال في لبنان وغزة، والاضطرابات في البحر الأحمر، والتوتر حول مضيق هرمز، وتعثر المسار الأمريكي الإيراني، أصبحت أزمات المنطقة مترابطة بصورة أكبر من أي وقت مضى.
وتشير هذه التطورات إلى أن أي مسار للتهدئة يحتاج إلى معالجة مجموعة من الملفات في وقت واحد، بدل التعامل مع كل جبهة باعتبارها أزمة منفصلة. فاستقرار لبنان يتأثر بغزة، وأمن الملاحة يتأثر بالتوتر الإيراني، وأسواق الطاقة تستجيب فورًا لأي تهديد يطال الممرات البحرية، بينما يظل الملف النووي الإيراني عنصرًا أساسيًا في الحسابات الأمريكية والإسرائيلية.
وفي ظل هذه البيئة الجيوسياسية المضطربة، ارتفعت أسعار النفط مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية، بينما تواجه جهود الوساطة الأمريكية اختبارًا صعبًا في منع انتقال التصعيد من جبهة إلى أخرى.