الإثنين 17 أغسطس 2026 الموافق 04 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

الذكاء الاصطناعي يضاعف المخاطر.. تفاصيل محاولة انتحال شخصية مسؤول أمريكي رفيع

الرئيس نيوز

كشفت واقعة أمنية خطيرة عن ثغرة في الاتصالات الرقمية بين كبار المسؤولين السياسيين، بعدما تبادل رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام رسائل مع شخص انتحل شخصية سوزي وايلز، رئيسة موظفي البيت الأبيض، قبل أن تساوره الشكوك بشأن هوية الطرف الآخر وينهي التواصل.

وبحسب تقرير نشره موقع بوليتيكو واستند إلى أربعة مسؤولين مطلعين، تبادل بورنهام "بضع رسائل" مع الشخص الذي ادعى أنه وايلز، لكن رئيس الوزراء بدأ أثناء المحادثة يشك في أن الشخص الذي يتواصل معه ليس المسؤولة الأمريكية الحقيقية. وأكدت هيئة الإذاعة البريطانية الواقعة، فيما قالت مصادر إن الرسائل لم تكن ذات أهمية ولم تتضمن معلومات حساسة.

وتأتي الحادثة بعد أسابيع قليلة من تولي بورنهام منصب رئيس الوزراء، ما يجعلها أكثر حساسية من مجرد محاولة انتحال شخصية عبر تطبيق للمراسلة. فالمستهدف هذه المرة ليس مسؤولًا حكوميًا متوسط المستوى، وإنما رئيس الحكومة البريطانية، والطرف الذي جرى انتحال شخصيته هو أحد أقرب المسؤولين إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

 

كيف اكتشفت عملية الانتحال؟

تشير المعلومات المتاحة إلى أن التواصل جرى عبر رسائل نصية، وليس من خلال مكالمة هاتفية. ومع استمرار المحادثة، انتبه بورنهام إلى مؤشرات دفعته إلى الشك في أن الشخص الذي يراسله ليس سوزي وايلز. وتوقف رئيس الوزراء عن التواصل بعدما أثارت الرسائل شكوكه، ولم يتم تبادل أي معلومات ذات أهمية. كما أبلغ الجهات المختصة بالواقعة سريعًا، وأثارت السفارة البريطانية في واشنطن الأمر مع البيت الأبيض.

 

وأكدت الحكومة البريطانية عدم إجراء مكالمة هاتفية بين بورنهام ومنتحل شخصية وايلز، فيما امتنعت رئاسة الوزراء عن التعليق التفصيلي، قائلة إنها لا تعلق على مسائل الأمن القومي.

ولم يكن الخطر في المعلومات التي كشفت، وإنما في نجاح شخص مجهول في فتح قناة اتصال مباشرة مع رئيس حكومة دولة حليفة، باستخدام هوية مسؤول أمريكي رفيع.

 

لماذا سوزي وايلز؟

تتولى سوزي وايلز منصب رئيسة موظفي البيت الأبيض، وهو أحد أكثر المناصب نفوذًا في الإدارة الأمريكية. ويمنحها موقعها دورًا محوريًا في تنظيم أجندة الرئيس واتصالاته والوصول إلى دوائر صنع القرار داخل البيت الأبيض. ولهذا فإن انتحال شخصيتها يمكن أن يوفر للمهاجم وسيلة مقنعة للوصول إلى سياسيين ومسؤولين ورجال أعمال وشخصيات نافذة، خصوصًا إذا بدا التواصل وكأنه يأتي من شخصية يعرفها المستهدف أو يتوقع التواصل معها. واللافت أن اسم وايلز ظهر بالفعل في واقعة أمنية مشابهة العام الماضي.

 

سابقة استهداف وايلز

في مايو 2025، أفادت تقارير أمريكية بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI فتح تحقيقًا في محاولة للوصول إلى الهاتف الشخصي لوايلز، بعدما استخدم شخص أو أشخاص مجهولون هويتها للتواصل مع مسؤولين جمهوريين وشخصيات من عالم الأعمال. وأشارت تقارير آنذاك إلى أن المنتحل حاول التواصل مع أشخاص في دوائر سياسية ومالية مؤثرة، بينما طلبت وايلز من معارفها تجاهل الرسائل والمكالمات التي لا تأتي من رقمها المعروف. وقال البيت الأبيض وقتها إن أمن موظفيه الإلكتروني يؤخذ بجدية وإن التحقيق مستمر.

 

لكن لا توجد حتى الآن معلومات تثبت أن محاولة انتحال شخصية وايلز التي استهدفت بورنهام مرتبطة بالواقعة السابقة أو أن هاتف وايلز نفسه اختُرق في الحادثة الجديدة. وهذه نقطة مهمة، لأن انتحال الهوية لا يعني بالضرورة اختراق جهاز الشخص الحقيقي.

 

لماذا يمثل الانتحال الرقمي خطرا على الحكومات؟

تكشف الواقعة عن تحول مهم في طبيعة المخاطر الأمنية التي تواجه المسؤولين. فالمهاجم لم يعد بحاجة بالضرورة إلى اختراق شبكة حكومية أو سرقة وثائق سرية حتى يبدأ عملية تجسس أو تأثير. ويمكن أن تبدأ العملية برسالة تبدو عادية من شخصية معروفة، ثم تتطور تدريجيًا إلى بناء علاقة وثقة مع المستهدف. وبعد ذلك يمكن للمهاجم محاولة الحصول على معلومات، أو دفع المسؤول إلى فتح ملف أو رابط، أو ترتيب اتصال، أو مشاركة بيانات، أو اتخاذ إجراء معين.

 

وفي حالة مسؤول رفيع المستوى، قد تكون معلومة تبدو بسيطة ذات قيمة كبيرة إذا كشفت عن موقف سياسي أو موعد اجتماع أو طبيعة محادثة مع طرف أجنبي. ولهذا أصبحت عملية التحقق من هوية الطرف الآخر جزءًا أساسيًا من الأمن السيبراني، إلى جانب حماية الأجهزة والشبكات نفسها.

بريطانيا وحوادث مشابهة

تعرض مسؤولون بريطانيون سابقون لمحاولات خداع باستخدام انتحال شخصيات سياسية. وتشير فايننشيال تايمز إلى أن وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون وقع في عام 2024 ضحية تواصل مع شخص انتحل شخصية الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وتوضح الصحيفة أن الواقعة أظهرت كيف يمكن لانتحال شخصية مسؤول أجنبي أن يفتح قناة مباشرة مع مسؤول حكومي بريطاني رفيع.

 

وتتكرر هذه المحاولات في بيئة أصبحت فيها تطبيقات المراسلة والهواتف الشخصية جزءًا من الاتصالات اليومية للمسؤولين، بينما تتيح وسائل التواصل الاجتماعي للمهاجم جمع كمية ضخمة من المعلومات عن الأشخاص المستهدفين قبل بدء عملية الانتحال.

 

الذكاء الاصطناعي يزيد المشكلة تعقيدًا

أصبح اكتشاف الانتحال أكثر صعوبة مع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على تقليد أسلوب الكتابة والصوت والصور، وإنشاء حسابات ورسائل تبدو للوهلة الأولى حقيقية. وفي الماضي كان اختلاف بسيط في اللغة أو الأسلوب قد يكشف محاولة الخداع، أما الآن فيمكن للمهاجم إعداد رسالة مصاغة بعناية بناءً على المعلومات المتاحة علنًا عن المسؤول وعلاقاته ومواعيد ظهوره وتحركاته.

 

لكن واقعة بورنهام تشير أيضًا إلى أهمية العامل البشري. فشكوك رئيس الوزراء أدت إلى وقف المحادثة قبل أن تتطور إلى شيء أكثر خطورة، كما أدى الإبلاغ السريع إلى احتواء الواقعة وبدء التعامل معها رسميًا.