من التصميم إلى الذكاء الاصطناعي.. لماذا يحظى «الأوكتاجون» المصري باهتمام صيني؟
أبرزت مجلة فورين دبلوماسي الاهتمام الصيني بمقر القيادة الاستراتيجية المصرية، وذلك بعد أن أصبح المقر الجديد لوزارة الدفاع المصرية في العاصمة الإدارية الجديدة، المعروف باسم "الأوكتاجون"، محل اهتمام متزايد داخل الأوساط العسكرية والأكاديمية في الصين، التي تنظر إليه باعتباره نموذجًا متطورًا لمراكز القيادة والسيطرة الحديثة، وقاعدة متقدمة لإدارة الأزمات في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.
بحسب تحليلات عسكرية صينية سلطت عليها الضوء الكاتبة والباحثة المتخصصة في الشؤون الصينية الدكتورة نادية حلمي، فإن "الأوكتاجون" ينظر إليه بوصفه مركزًا استراتيجيًا متكاملًا لإدارة العمليات والقرارات العسكرية والسيادية، يجمع بين البنية الهندسية المتطورة وأنظمة القيادة الرقمية الحديثة.
تصميم يجمع بين الهوية المصرية والتكنولوجيا الحديثة
أحد أبرز الجوانب التي استوقفت الخبراء الصينيين هو التصميم المعماري للمجمع، الذي يمزج بين الطابع الفرعوني والهندسة العسكرية الحديثة. وترى التحليلات الصينية أن هذا الدمج يمنح المشروع بعدًا رمزيًا يعكس الهوية الحضارية المصرية، وفي الوقت نفسه يوفر بيئة متطورة لإدارة العمليات العسكرية باستخدام أحدث تقنيات الاتصالات والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات. كما تشير هذه التقديرات إلى أن مساحة المجمع الضخمة، التي تتجاوز 90 كيلومترًا مربعًا، تضعه ضمن أكبر مقرات وزارات الدفاع ومراكز القيادة على مستوى العالم.
أكثر من مقر عسكري
تذهب بعض التقديرات الصينية إلى أن أهمية "الأوكتاجون" لا تكمن في حجمه فقط، وإنما في طبيعة المهام التي يمكن أن يؤديها. فالمجمع، بحسب هذه الرؤية، يمثل "العقل الاستراتيجي" للدولة المصرية، إذ يربط بين مؤسسات الدولة المختلفة وشبكات الاتصالات ومراكز القيادة، بما يسمح بسرعة تبادل المعلومات واتخاذ القرار في أوقات السلم والأزمات والحروب.
ترى الكاتبة أن هذه الرؤية تتوافق مع توجه مصر نحو تحديث بنيتها الدفاعية بالتوازي مع انتقال مؤسسات الدولة إلى العاصمة الإدارية الجديدة، وهو مشروع تشارك فيه أيضًا شركات صينية في عدد من القطاعات المدنية.
إدارة الأزمات في عصر الحروب الرقمية
تشير التحليلات الصينية إلى أن فلسفة "الأوكتاجون" تقوم على إنشاء مركز قيادة موحد قادر على إدارة مختلف أنواع الأزمات، سواء كانت عسكرية أو أمنية أو كوارث طبيعية، من خلال شبكة اتصالات مؤمنة وبنية رقمية متقدمة.
كما يتحدث التقرير عن اعتماد المجمع على شبكات ألياف ضوئية عالية السرعة، ومراكز بيانات محصنة ضد الهجمات الإلكترونية، إضافة إلى منشآت تحت الأرض تضمن استمرار عمل القيادة العامة للقوات المسلحة حتى في أصعب الظروف، وترى الكاتبة أن مثل هذه البنية أصبحت أكثر أهمية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد الاعتماد على الحرب السيبرانية والتقنيات الرقمية في إدارة الصراعات.
مقارنة مع "مدينة بكين العسكرية"
خصصت المجلة مساحة واسعة للمقارنة بين "الأوكتاجون" المصري والمجمع العسكري الضخم الذي تبنيه الصين بالقرب من العاصمة بكين، والذي يشار إليه في بعض التحليلات باسم "مدينة بكين العسكرية". وبحسب هذه المقارنات، يعتمد المشروعان على فلسفة متشابهة تقوم على إنشاء مراكز قيادة واسعة المساحة، تضم منشآت محصنة فوق الأرض وتحتها، وتستخدم أنظمة قيادة وسيطرة رقمية متقدمة مع مستويات عالية من الحماية والأمن.
وتشير التحليلات إلى أن المشروع الصيني يمتد على مساحة تقارب 1500 فدان، ويضم شبكة من الملاجئ والمنشآت المحصنة المصممة لتحمل الهجمات الشديدة، بينما يركز المشروع المصري على دمج جميع غرف العمليات ومراكز القيادة داخل مجمع موحد يتيح سرعة التنسيق واتخاذ القرار.
الذكاء الاصطناعي والسيطرة على ساحات القتال
وترى المجلة أن أحد أوجه التشابه بين المشروعين يتمثل في الاعتماد المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، بما يسمح بربط مختلف أفرع القوات المسلحة وإدارة العمليات البرية والبحرية والجوية والفضائية والسيبرانية من خلال منظومة قيادة موحدة. كما تشير إلى أن شبكات الاتصال المغلقة والمعزولة عن الإنترنت العام تمثل أحد عناصر الحماية الأساسية، بهدف تقليل مخاطر الاختراقات والهجمات الإلكترونية.
الاستثمار في مراكز القيادة أصبح ضرورة
وتخلص المجلة إلى أن التنافس الدولي لم يعد يقتصر على تطوير الأسلحة، بل امتد إلى بناء مراكز قيادة استراتيجية قادرة على ضمان استمرارية عمل الدولة في مختلف السيناريوهات، بما في ذلك الحروب واسعة النطاق والكوارث والأزمات الكبرى. وترى الكاتبة أن مجمع "الأوكتاجون" يعكس هذا الاتجاه العالمي، من خلال الجمع بين التحصين الهندسي، والقيادة الرقمية، وإدارة المعلومات، والاتصالات المؤمنة، بما يجعله أحد أبرز مشروعات تحديث البنية الدفاعية في المنطقة. وفي ضوء ذلك، تعتبر التحليلات الصينية أن الاستثمار في مثل هذه المنشآت لم يعد ترفًا عسكريًا، بل أصبح جزءًا من مفهوم الردع الحديث وحماية مؤسسات الدولة وضمان استمرارية اتخاذ القرار في بيئة أمنية تتسم بتزايد التعقيد والتحديات.