الأحد 05 يوليو 2026 الموافق 20 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
رياضة

كأس العالم بين السياسة والاقتصاد.. من يحصد المليارات خارج المستطيل الأخضر؟

الرئيس نيوز

مع انطلاق صافرة افتتاح كأس العالم ٢٠٢٦ على ملعب أزتيكا في مكسيكو سيتي، بدا المشهد وكأنه احتفال كروي عالمي جديد، لكن خلف المدرجات المزدحمة والهتافات الصاخبة كانت مباراة أخرى أكثر تعقيدا قد بدأت بالفعل. فسرعان ما تحول المونديال من حلبة لتحديد بطل العالم إلى منصة تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والاستثمار والدبلوماسية والقوة الناعمة، حيث تتنافس الحكومات والشركات والمؤسسات الدولية على اقتناص أكبر المكاسب، بينما تتحول كرة القدم إلى أداة لإعادة رسم النفوذ العالمي، وفقا لمجلة أكسفورد إيكونوميكس.

تؤكد التجارب الحديثة أن كأس العالم لم يعد يقاس فقط بعدد الأهداف أو هوية البطل، بل بحجم التدفقات المالية، والاستثمارات، والصفقات التجارية، والرسائل السياسية التي ترافق كل نسخة من البطولة. 

عندما تدخل السياسة أرض الملعب

رغم أن الفيفا ترفع دائما شعار فصل الرياضة عن السياسة، فإن الواقع يكشف عكس ذلك. فقد جاءت بطولة ٢٠٢٦ وسط بيئة دولية شديدة التعقيد، مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والخلافات بين عدد من الدول المشاركة، وعلى رأسها خوض أمريكا البلد المضيفة حربا ثم مفاوضات متعثرة مع إيران التي شارك منتخبها في مباريات البطولة، كما هددت أمريكا في وقت سابق بضم كندا البلد المضيف الآخر وجعلها الولاية الحادية والخمسين على حد تعبير الرئيس دونالد ترامب، فضلا عن الجدل المرتبط بسياسات التأشيرات والهجرة والأمن.

وأصبحت قرارات تنظيم البطولة، وإجراءات دخول الجماهير والوفود، وحتى اختيار المدن المستضيفة، ملفات سياسية بامتياز. ويرى عدد من الباحثين في العلاقات الدولية أن الفيفا تحولت خلال العقدين الماضيين إلى لاعب مؤثر في السياسة الدولية، بعدما أصبحت تدير حدثا يمتلك تأثيرا اقتصاديا وإعلاميا يوازي تأثير قمم سياسية كبرى، ما يجعل قراراتها تتجاوز حدود الرياضة إلى مجالات النفوذ والدبلوماسية العامة. 

الفيفا.. رابح لا يخسر

إذا كان اللاعبون يتنافسون على الكأس، فإن الفيفا تنافس على الأرقام القياسية في الإيرادات. وتشير التقديرات إلى أن الدورة المالية الممتدة بين عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٦ ستسجل أعلى عائدات في تاريخ الاتحاد الدولي، مدفوعة بزيادة عدد المنتخبات إلى ٤٨ منتخبا واتساع قاعدة الجماهير والأسواق الإعلانية وحقوق البث.

يرى خبراء الاقتصاد الرياضي أن زيادة عدد المباريات رفعت القيمة التجارية لكل يوم من أيام البطولة، بينما تضاعفت إيرادات الضيافة والرعاية والإعلانات وحقوق النقل التلفزيوني والمنصات الرقمية، لتصبح البطولة أكبر مشروع اقتصادي رياضي على مستوى العالم، وليس مجرد منافسة كروية تستمر شهرا واحدا.

الاقتصاد العالمي يرتدي قميص المونديال

لا تتوقف أرباح كأس العالم عند حدود الفيفا، بل تمتد إلى قطاعات اقتصادية كاملة، تشمل الطيران والفنادق والمطاعم والنقل والتأمين والإعلانات والتجارة الإلكترونية والدفع الرقمي والملابس الرياضية.

تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن البطولة تضخ عشرات المليارات في الاقتصاد العالمي، غير أن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن هذه الأرقام لا تعني دائما خلق ثروة جديدة، بل غالبا ما تعكس انتقال الإنفاق من أسواق إلى أخرى، بحيث تستفيد بعض المدن والقطاعات بينما تخسر أخرى جزءا من نشاطها المعتاد خلال فترة البطولة. 

المكسيك الرابح الأكبر... وأمريكا تواجه تحديات

تبدو المكسيك واحدة من أبرز المستفيدين من النسخة الحالية، مستندة إلى قطاع سياحي يشهد نموا متواصلا، وإلى استضافة عدد من المباريات في ملاعب تاريخية تحظى بجاذبية عالمية، وهو ما يمنح الاقتصاد المحلي دفعة قوية في مجالات السياحة والخدمات والاستثمار.

في المقابل، تواجه بعض المدن الأمريكية تحديات تتعلق بارتفاع تكاليف السفر والإقامة، إضافة إلى تأثير سياسات الهجرة والتأشيرات على حركة الجماهير القادمة من الخارج، وهو ما دفع عددا من المحللين إلى التحذير من تفاوت المكاسب الاقتصادية بين المدن المستضيفة، رغم ضخامة الحدث الرياضي. 

الشركات العالمية... الأهداف الحقيقية في دفاتر الأرباح

خارج المستطيل الأخضر، تخوض الشركات العالمية بطولة من نوع آخر. فشركات الطيران والفنادق، ومنصات البث، وشركات الملابس الرياضية، ومقدمو خدمات الدفع الإلكتروني، جميعها تنظر إلى كأس العالم باعتباره فرصة ذهبية لتعزيز الإيرادات والوصول إلى مئات الملايين من المستهلكين.

كما تمنح البطولة العلامات التجارية نافذة دعائية يصعب تكرارها، إذ تتحول المباريات إلى منصات تسويق عالمية تمتد آثارها لسنوات، فيما تستفيد الأسواق الناشئة، ومنها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من الزخم الإعلامي والاستثماري المصاحب للبطولة. 

السعودية... كرة القدم بوابة النفوذ العالمي

لا تنظر السعودية إلى كرة القدم باعتبارها نشاطا رياضيا فقط، بل باعتبارها أداة استراتيجية لتعزيز الحضور الدولي وتنويع الاقتصاد ضمن رؤية ٢٠٣٠. ومن خلال استثمارات ضخمة في الأندية العالمية، واستقطاب أبرز نجوم اللعبة، والاستعداد لاستضافة كأس العالم ٢٠٣٤، تسعى الرياض إلى ترسيخ مكانتها باعتبارها أحد أبرز الفاعلين في صناعة الرياضة العالمية، مستفيدة من القوة الناعمة التي توفرها البطولات الكبرى في بناء النفوذ السياسي والاقتصادي والثقافي وتعزيز القوة الناعمة وفقا لصحيفة فايننشال تايمز.

كرة القدم وصناعة نفوذ

لم تعد البطولات الكبرى مجرد أحداث رياضية، بل أصبحت أدوات للدبلوماسية العامة وإعادة تشكيل صورة الدول وجذب الاستثمارات وتعزيز العلاقات الدولية. فالدول تتنافس اليوم على استضافة البطولات كما تتنافس على جذب الشركات العالمية، لأن المونديال يوفر منصة غير مسبوقة للترويج الاقتصادي والسياحي والاستثماري، ويمنح الدولة المضيفة حضورا إعلاميا يصعب شراؤه عبر الحملات التقليدية.

الكأس لفريق واحد والمليارات لرابحين عدة 

يكشف مونديال ٢٠٢٦ أن المنافسة الحقيقية لا تقتصر على المنتخبات داخل الملاعب، بل تمتد إلى الحكومات والشركات والمؤسسات المالية والمنظمات الدولية خارجها. فبينما يتابع مليارات المشجعين سباق الفوز بالكأس، تدور في الخلفية معركة أكثر اتساعا على النفوذ والاستثمارات والعوائد الاقتصادية والقوة الناعمة، وفقا لموقع مجلس شيكاغو للشؤون العالمية.