< كيف غيرت الحرب الأخيرة مع إيران موازين القوى في الشرق الأوسط؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

كيف غيرت الحرب الأخيرة مع إيران موازين القوى في الشرق الأوسط؟

الرئيس نيوز

منذ الولاية الأولى للرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما، تعاقبت الإدارات الأمريكية على وعد واحد يتلخص في تقليص الانخراط في مشكلات الشرق الأوسط والتفرغ لأولويات استراتيجية أخرى. 

ووفقا لمجلة فورين بوليسي، تكرر هذا التوجه في عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن مع التركيز على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، ثم اتخذ منحى أكثر وضوحا مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي جعل إعادة توجيه الاهتمام نحو الداخل الأمريكي ونصف الكرة الغربي أولوية رئيسية. لكن كل إدارة كانت تجد نفسها في النهاية مضطرة للعودة إلى المنطقة بسبب أزمة جديدة. 

غير أن الحرب الأخيرة مع إيران كشفت مشهدا مختلفا؛ فقد أظهرت دول الخليج، بالتعاون مع تركيا وباكستان، أنها باتت قادرة على قيادة جهود احتواء إيران دبلوماسيا والمساهمة في إدارة أمن المنطقة، بينما بدأت واشنطن تتحول تدريجيا من المدير الأول للأزمات إلى "الضامن الأخير" الذي يتدخل عند الضرورة فقط. 

من شرطي المنطقة إلى الضامن الاستراتيجي

 

لا يعني هذا التحول أن الولايات المتحدة قررت الانسحاب من الشرق الأوسط أو التخلي عن حلفائها، بل يعكس إعادة تعريف لدورها. فبدلا من إدارة كل أزمة بصورة مباشرة، أصبحت واشنطن تميل إلى ترك مساحة أكبر للقوى الإقليمية كي تتولى مسؤولية احتواء النزاعات، مع الاحتفاظ بقدرتها على التدخل العسكري والسياسي عندما تتعرض المصالح الحيوية أو أمن الملاحة الدولية للخطر.

وتتوافق هذه المنهجية مع رغبة الإدارات الأمريكية المتعاقبة في تقليص كلفة الانتشار العسكري، وتوجيه الموارد نحو المنافسة مع الصين وروسيا، دون فقدان النفود الذي بنته الولايات المتحدة في المنطقة طوال عقود. 

الخليج يثبت قدرته على إدارة الأزمات

الحرب الأخيرة مع إيران قدمت اختبارا عمليا لهذا النموذج الجديد. فبدلا من انتظار مبادرة أمريكية شاملة، تحركت دول الخليج بسرعة عبر قنوات سياسية وأمنية، وشاركت إلى جانب تركيا وباكستان في جهود التهدئة وفتح قنوات الاتصال، بما ساعد على احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

ويشير هذا الأداء إلى أن دول الخليج لم تعد مجرد شريك أمني يعتمد على المظلة الأمريكية، بل أصبحت تمتلك أدوات دبلوماسية وأمنية تؤهلها للعب دور أكثر استقلالية في إدارة الأزمات الإقليمية، مستفيدة من سنوات من تطوير قدراتها الدفاعية وتعزيز علاقاتها الدولية. 

احتواء إيران يتغير... لا ينتهي

التحول الجاري لا يعني التخلي عن سياسة احتواء إيران، وإنما إعادة صياغتها. ففي السابق كانت الولايات المتحدة تتصدر المشهد العسكري والسياسي، أما اليوم فتبدو المعادلة أكثر اعتمادا على الشركاء الإقليميين، مع بقاء واشنطن في الخلفية كقوة ردع وضمان.

وتستند هذه المنهجية إلى قناعة متزايدة بأن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق عبر المواجهة العسكرية المستمرة وحدها، بل من خلال الجمع بين الردع والحوار، وفتح قنوات اتصال تمنع الأزمات من التحول إلى حروب واسعة تهدد أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وفقا للمعهد الملكي تشاتام هاوس في بريطانيا.

لماذا يناسب هذا التحول واشنطن؟

بالنسبة للإدارة الأمريكية، فإن توزيع الأعباء الأمنية يمنحها هامشا أوسع للتحرك في ملفات تعتبرها أكثر إلحاحا، وعلى رأسها المنافسة مع الصين، وتعزيز النفوذ الأمريكي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إضافة إلى القضايا الاقتصادية الداخلية.

كما أن الاعتماد بصورة أكبر على الحلفاء الإقليميين يحد من كلفة التدخلات العسكرية المباشرة، ويقلل احتمالات انخراط القوات الأمريكية في نزاعات طويلة، وهو درس استخلصته واشنطن من تجارب امتدت لعقود في العراق وأفغانستان ومناطق أخرى. 

تحديات قد تعرقل المعادلة الجديدة

ورغم المؤشرات الإيجابية، فإن نجاح هذا النموذج ليس مضمونا. فالشرق الأوسط لا يزال يواجه أزمات معقدة، من الملف النووي الإيراني إلى أمن الملاحة في الخليج، مرورا بالحروب في غزة ولبنان واليمن، فضلا عن تعدد القوى المسلحة غير الحكومية.

كما أن أي تصعيد مفاجئ قد يفرض على الولايات المتحدة العودة إلى دور أكثر مباشرة، إذا رأت أن المصالح الأمريكية أو أمن الحلفاء باتا مهددين بصورة لا تستطيع القوى الإقليمية التعامل معها بمفردها. ولهذا يرى مراقبون أن دور "الضامن الأخير" لا يعني الغياب، بل الاستعداد للتدخل عندما تفشل أدوات الردع والدبلوماسية. 

شرق أوسط يعيد رسم توازناته

وتكشف التحولات الأخيرة أن المنطقة تدخل مرحلة مختلفة عما عرفته خلال العقود الماضية. فدول الخليج لم تعد تكتفي بطلب الحماية، بل أصبحت شريكا رئيسيا في صنع الاستقرار، بينما تسعى واشنطن إلى الحفاظ على نفوذها من خلال الشراكة أكثر من القيادة المباشرة.