< هل تصمد اتفاقية الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل؟ ألغام سياسية وأمنية تهدد أول اختبار حقيقي
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

هل تصمد اتفاقية الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل؟ ألغام سياسية وأمنية تهدد أول اختبار حقيقي

الرئيس نيوز

يمثل توقيع الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل تحولا غير مسبوق في مسار الصراع على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. فلبنان، الذي لا يقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، دخل في مفاوضات مباشرة برعاية أمريكية، أملا في إنهاء المواجهات التي تصاعدت بعد انخراط حزب الله في الحرب الإقليمية، لكن رغم الاحتفاء بالاتفاق باعتباره بداية محتملة لمرحلة أكثر استقرارا، يٌحذر خبراء من أن الطريق نحو التنفيذ لا يزال مليئا بالعقبات، وأن نجاحه يتوقف على ملفات أكثر تعقيدا من مجرد التوقيع، وفقا 

لتحليل راديو نيوزيلندا.

الانسحاب الإسرائيلي.. العقدة الأولى

أبرز التحديات يتمثل في مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية. فالوثيقة تتحدث عن "إعادة انتشار" للقوات الإسرائيلية، لكنها لا تتضمن التزاما واضحا بانسحاب كامل من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل.

وفي المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعمه للمسار الدبلوماسي، بينما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن قواته ستواصل البقاء داخل ما تصفه إسرائيل بـ"المنطقة الأمنية" الممتدة بمحاذاة الحدود، إلى أن يتم نزع سلاح حزب الله بصورة كاملة.

ويرى محللون أن غياب جدول زمني ملزم للانسحاب يفتح الباب أمام تفسيرات مختلفة لبنود الاتفاق، ويهدد بإطالة أمد الوجود العسكري الإسرائيلي، وهو ما قد يعرقل عودة آلاف المدنيين اللبنانيين إلى قراهم ويؤخر إعادة الإعمار في الجنوب. 

 

مناطق تجريبية لا تعني نهاية الأزمة

ينص الاتفاق على إنشاء "مناطق تجريبية" تنتقل فيها المسؤولية الأمنية تدريجيا إلى الجيش اللبناني بعد إعادة انتشار القوات الإسرائيلية. ولكن هذه الخطوة ليست تلقائية، إذ تشترط الآلية حصول تأكيد خارجي بأن جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وفي مقدمتها حزب الله، جرى نزع سلاحها داخل تلك المناطق قبل أن يتولى الجيش اللبناني السيطرة الكاملة عليها.

يرى المراقبون أن هذه الصيغة تجعل تنفيذ الاتفاق عملية تدريجية قد تمتد لفترة طويلة، كما أنها تربط نجاح كل مرحلة بمدى تحقق شروط أمنية وسياسية معقدة يصعب ضمانها مسبقا. 

حزب الله.. الرفض منذ اللحظة الأولى

منذ الإعلان عن بدء المفاوضات المباشرة في أبريل الماضي، أعلن حزب الله رفضه للمسار برمته، معتبرا أن التفاوض المباشر مع إسرائيل يتعارض مع مواقفه السياسية.

بعد توقيع الاتفاق، صعد الحزب من لهجته، إذ وصف أمينه العام نعيم قاسم الاتفاق بأنه "مهين" و"يمثل تنازلا عن السيادة"، مؤكدا رفضه لبنوده. كما خرج مؤيدون للحزب في تظاهرات احتجاجية في بيروت، بينما دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى تجنب الانقسام الداخلي، وشدد الجيش اللبناني على أنه لن يسمح بأي تهديد للسلم الأهلي.

يرى خبراء الشرق الأوسط أن السؤال الأهم لم يعد يتعلق بموقف حزب الله السياسي، بل بما إذا كان اعتراضه سيظل في إطار الخطاب السياسي، أم سيتحول إلى مواجهة ميدانية مع مؤسسات الدولة إذا شرعت الحكومة في تنفيذ بنود نزع السلاح بدعم أمريكي ودولي. 

إيران.. اللاعب الأكثر تأثيرا

ورغم أن الاتفاق وقع بين الولايات المتحدة ولبنان وإسرائيل، فإن كثيرين يرون أن مفتاح تنفيذه يوجد في طهران. فإيران تمثل الداعم الرئيسي لحزب الله، كما استخدمت الساحة اللبنانية خلال السنوات الماضية كورقة ضغط في مفاوضاتها مع واشنطن، بالتوازي مع ملفات إقليمية أخرى شملت أمن الملاحة في مضيق هرمز والعقوبات الاقتصادية.

ويعتقد الخبراء أن القيادة الإيرانية ستحدد موقفها من الاتفاق بناء على حسابات أوسع تتعلق بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، وما إذا كانت المكاسب المحتملة من استمرار الحوار وتخفيف الضغوط الاقتصادية تفوق قيمة الاحتفاظ بنفوذها العسكري داخل لبنان.

لذلك، فإن أي تغير في مسار العلاقات الأمريكية الإيرانية قد ينعكس مباشرة على فرص تنفيذ الاتفاق أو تعطيله، وفقا لتحليل المجموعة الدولية للأزمات.

الدولة اللبنانية أمام أصعب اختبار

طلبت الحكومة اللبنانية دعما عربيا ودوليا لمساعدتها على تنفيذ هدف يتمثل في نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة بصورة كاملة ويمكن التحقق منها. ولكن تحقيق هذا الهدف يفرض تحديات ضخمة على مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجيش اللبناني، الذي سيجد نفسه أمام مسؤولية فرض الأمن في مناطق شديدة الحساسية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الاستقرار الداخلي وتجنب الانزلاق إلى صدامات داخلية.

ويرجح المراقبون أن نجاح الدولة اللبنانية لن يقاس فقط بقدرتها على الانتشار العسكري، وإنما أيضا بقدرتها على كسب ثقة السكان، وتأمين إعادة الإعمار، ومنع عودة التوترات الأمنية إلى المناطق الحدودية.

بين فرصة السلام واحتمالات التعثر

يمثل الاتفاق الإطاري خطوة سياسية غير مسبوقة، لكنه لا يقدم ضمانات حاسمة لإنهاء الصراع. فبقاء القوات الإسرائيلية في بعض المناطق، ورفض حزب الله للاتفاق، واستمرار النفوذ الإيراني، إضافة إلى تعقيدات تنفيذ آليات نزع السلاح، كلها عوامل تجعل الطريق نحو التطبيق الفعلي أكثر صعوبة من الوصول إلى طاولة التفاوض.

بينما تراهن واشنطن على أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقرارا على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، يرى كثير من الخبراء أن نجاحه لن يتحدد بما كتب في الوثيقة، بل بما سيحدث على الأرض خلال الأشهر المقبلة.