أوروبا تعيد حسابتها الدفاعية.. هل تستطيع التخلي عن الدعم الأمريكي؟
لم يعد الحديث عن استقلال أوروبا دفاعيا في دوائر النقاش النظري بمراكز الأبحاث، وقد تحول إلى أولوية سياسية وعسكرية تتصدر أجندة العواصم الأوروبية، فمنذ عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ارتفعت الضغوط على الحلفاء الأوروبيين لتحمل نصيب أكبر من أعباء الدفاع، بينما بدأت واشنطن في الوقت نفسه مراجعة حجم وجودها العسكري في القارة الأوروبية، وتزامن ذلك مع تقارير وتسريبات أبرزها المنشورة بمجلة دير شبيجل الألمانية عن خطط لتقليص بعض القدرات العسكرية الأمريكية المخصصة لحلف الناتو.
من الشراكة إلى تقاسم العبء
ووفقا لمجلة مودرن دبلوماسي، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، شكلت الولايات المتحدة العمود الفقري للأمن الأوروبي عبر حلف شمال الأطلسي. لكن الإدارة الأمريكية الحالية تنظر إلى هذا الترتيب بصورة مختلفة، معتبرة أن أوروبا تمتلك الإمكانات الاقتصادية الكافية للدفاع عن نفسها، وأن استمرار الاعتماد شبه الكامل على القوات الأمريكية لم يعد مقبولا.
تعكس استراتيجية الدفاع الأمريكية لعام 2026 هذا التحول بوضوح، إذ لم تتحدث عن انسحاب كامل من أوروبا، لكنها أشارت إلى أن القارة يجب أن تتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها. كما صدرت تصريحات أمريكية تؤكد أن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا سيتراجع تدريجيا، في إطار إعادة توزيع الموارد العسكرية لمواجهة تحديات عالمية أخرى.
روسيا تدفع أوروبا إلى سباق التسلح
المحرك الأساسي لهذا التحول يبقى التهديد الروسي. فالتقديرات الأمنية الغربية تشير إلى أن موسكو قد تعيد بناء قدراتها العسكرية خلال السنوات المقبلة إذا استقرت جبهة أوكرانيا، ما يثير مخاوف من ضغوط عسكرية جديدة على دول البلطيق والجناح الشرقي للناتو.
يحذر تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية من أن القوات الأوروبية وحدها لا تزال تفتقر إلى مخزونات الذخيرة الكافية والقوات البرية القادرة على خوض حرب طويلة، كما أن الدفاعات الجوية قد تواجه صعوبة في التصدي لهجمات روسية واسعة تعتمد على الاستنزاف وكثافة النيران، حسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS).
لهذا السبب، لا يزال الوجود العسكري الأمريكي يمثل عامل الردع الأكثر تأثيرا، سواء عبر القوات البرية أو القدرات الجوية والبحرية أو الدعم الاستخباراتي المتقدم.
80 ألف جندي... لكن الفجوة أكبر من الأرقام
تنتشر في أوروبا نحو 80 ألف قوة أمريكية، إضافة إلى قواعد جوية وبحرية ومراكز قيادة تمثل القلب التشغيلي لحلف الناتو. لكن أهمية هذا الوجود لا تقاس بعدد الجنود فقط، بل بمنظومة القيادة والسيطرة والاستطلاع والاستخبارات التي تربط جيوش الحلف في شبكة عمليات موحدة.
يرى خبراء عسكريون أن هذه "البنية العصبية" التي تقودها الولايات المتحدة هي ما يمنح الناتو قدرته على الاستجابة السريعة للأزمات، وأن استبدالها يحتاج سنوات طويلة واستثمارات ضخمة.
في المقابل، تشير تقديرات دفاعية إلى أن تعويض أي تقليص كبير في القوة الجوية الأمريكية قد يتطلب إضافة نحو 400 طائرة مقاتلة أوروبية، فضلا عن تعزيز قدرات التزود بالوقود جوا وأنظمة النقل والدعم اللوجستي.
أوروبا تبحث عن "توماهوك" خاص بها
إدراكا منها لحجم التحدي، بدأت أوروبا في إطلاق سلسلة من المشاريع الدفاعية المشتركة لتقليل الاعتماد على الصناعات العسكرية الأمريكية.
يأتي في مقدمة هذه المبادرات برنامج "الاستعداد الدفاعي 2030"، الذي يهدف إلى توحيد القدرات العسكرية الأوروبية، وتحسين البنية التحتية العسكرية، وتسريع حركة القوات داخل القارة، وتعزيز الإنتاج المحلي للأسلحة والذخائر.
في الوقت نفسه، يتقدم مشروع الطائرة الأوروبية المسيرة "Eurodrone"، إلى جانب مبادرات لتطوير صواريخ كروز بعيدة المدى وأنظمة دفاع جوي أوروبية، بما يمنح القارة قدرات ردع مستقلة تدريجيا.
كما أعلنت عدة دول أوروبية عن مشروعات مشتركة لإنتاج الطائرات المسيرة والذخائر الذكية، مستفيدة من الخبرات التي اكتسبتها أوكرانيا خلال الحرب، في محاولة لبناء قاعدة صناعية دفاعية أقل اعتمادا على التكنولوجيا الأمريكية.
العقبة ليست المال... بل القرار
ورغم أن الحكومات الأوروبية رفعت الإنفاق الدفاعي بصورة ملحوظة، فإن التحدي الأكبر لا يتعلق بالأموال وحدها، بل بسرعة اتخاذ القرار. فالسياسات الدفاعية الأوروبية لا تزال تعاني اختلاف الأولويات بين الدول الأعضاء، إضافة إلى البيروقراطية وتعقيد إجراءات المشتريات العسكرية، وهو ما يبطئ تنفيذ المشروعات المشتركة.
مفارقة واشنطن
المفارقة التي تلفت انتباه المحللين تتمثل في أن الولايات المتحدة تطالب الأوروبيين بزيادة الإنفاق العسكري وتحمل مسؤولية أكبر، بينما تبدأ في الوقت نفسه تقليص بعض عناصر وجودها العسكري قبل اكتمال القدرات الأوروبية البديلة.ويخشى مسؤولون أوروبيون من أن يؤدي هذا التوقيت إلى خلق فجوة ردع مؤقتة، تصبح خلالها أوروبا أكثر عرضة للضغوط الروسية، خاصة إذا لم تتمكن برامج التحديث العسكري من تحقيق أهدافها في المواعيد المحددة.
بدأ السباق تحت ضغوط الوقت
أصبحت أوروبا اليوم أمام اختبار تاريخي. فهي تمتلك اقتصادا ضخما وقاعدة صناعية متقدمة، لكنها لا تزال تفتقر إلى التكامل العسكري الكامل الذي يسمح لها بالتحرك باعتبارها قوة دفاعية موحدة.