من العداء إلى التعاون.. تحول جذري في العلاقات المصرية التركية بعد الحرب على إيران
في مشهد كان يبدو مستحيلًا قبل عقد واحد من الزمن، تحول التنافس العميق بين القاهرة وأنقرة إلى شراكة دفاعية متسارعة تثير قلق بعض الأطراف الإقليمية والدولية، وتستأثر باهتمام المحللين الاستراتيجيين في واشنطن ولندن. ففي أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما خلفته من إعادة رسم لخريطة التوازنات الإقليمية، باتت العلاقة المصرية التركية تعرف بما هو أبعد بكثير من المصافحات الدبلوماسية التقليدية أمام الكاميرات، وفقا لصحيفة ذا ديفينس بوست الأمريكية
من القطيعة إلى الشراكة في عقد واحد
قطعت مصر علاقاتها مع تركيا عام 2013، لكن الأمور تغيرت تغيرًا جذريًا منذ ذلك الحين، إذ تعيد القاهرة وأنقرة رسم علاقتهما على أسس مٌختلفة كليًا، وقد تجلى هذا التحول بوضوح حين زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان القاهرة في فبراير الماضي في ثاني زيارة له خلال عامين، حيث وقع الجانبان اتفاقية دفاع إطارية ضخمة بقيمة 350 مليون دولار.
تضمنت الاتفاقية تصدير منظومة الدفاع الجوي "تولجا" التركية لمصر بقيمة 130 مليون دولار، وإنشاء مصنع ذخائر مدفعية عيار 155 ملم في مصر، إلى جانب خطوط إنتاج للذخائر الرشاشة، مع تأسيس شركة مشتركة لإدارة هذه المنشآت وتعزيز إمكانات التصدير في أفريقيا والشرق الأوسط.
"كان" الشبح: قفزة نوعية في التعاون العسكري
تمثل الخطوة الأبرز في مسيرة التعاون الدفاعي انضمام مصر إلى برنامج المقاتلة الشبحية التركية "كان" شريكًا في التطوير والتصنيع، وهي الطائرة التي يتوقع دخولها الخدمة عام 2030. ويمثل هذا المشروع المرة الأولى في التاريخ التي يتفق فيها البلدان على الارتقاء بتعاونهما إلى مستوى إنتاج مقاتلة شبحية مزودة بتقنيات متقدمة. ويرى المحللون أن كلا البلدين يأمل في أن يساهم المشروع في تحدي الهيمنة الجوية الإسرائيلية الطويلة الأمد في المنطقة.
مناورات ثلاثية وحوار عسكري رفيع المستوى
صعد البلدان تعاونهما العسكري من خلال سلسلة تمارين مشتركة وإطلاق حوار عسكري رفيع المستوى في القاهرة. وأعلنت وزارة الدفاع التركية الأسبوع الماضي أن القوات الجوية التركية والمصرية والأذربيجانية تنفذ أول تمرين جوي ثلاثي في الأجواء التركية، في أعقاب تمرين جوي مصري تركي منفصل اختتم مؤخرًا. كما زار قائد القوات الجوية التركية الجنرال ضياء جمال قاضي أوغلو القاهرة، حيث اطلع على قاعدة القاهرة الغربية الجوية والتقى بنظيره المصري.
"اسيلسان مصر": الصناعة الدفاعية تفتح مكاتبها على ضفاف النيل
على صعيد الصناعة الدفاعية، افتتحت شركة "أسيلسان" التركية العملاقة، وهي من كبرى شركات الدفاع في العالم، مكتبًا إقليميًا في مصر تحت اسم "أسيلسان مصر"، بهدف تعزيز التعاون مع القاهرة وفتح آفاق جديدة لنقل التكنولوجيا والاستثمار والتوظيف. ويتقاطع ذلك مع الطموح المصري للتحول إلى مركز إقليمي لتصنيع الأسلحة وتصديرها نحو أفريقيا والشرق الأوسط.
القلق الإسرائيلي: "لا يدرك القادة في تل أبيب حجم العواقب
حذر اللواء الإسرائيلي المتقاعد إسحاق بريك في صحيفة معاريف من أن "القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية لا تدرك أن التحالف الاستراتيجي بين تركيا ومصر يمكن أن يضع إسرائيل أمام تحديات وعواقب كبيرة.
ليبيا والسودان والصومال: تقارب يتجاوز حدود الدفاع
تجاوز التقارب المصري التركي حدود الملفات الدفاعية ليمتد إلى الجغرافيا الإقليمية الأشمل؛ إذ باتت القاهرة وأنقرة تدعمان معًا الجيش السوداني في مواجهة قوات الدعم السريع، بعد أن كانتا على طرفي نقيض في الصراعات الإقليمية. كما ساعدت تركيا مصر على تطبيع علاقاتها مع حكومة طرابلس في ليبيا. وأعلن البلدان في بيانهما المشترك دعمهما لوحدة أراضي الصومال. وتسعى القاهرة وأنقرة إلى رفع حجم التبادل التجاري من 9 مليارات دولار إلى 15 مليارًا بحلول 2029.
شراكة بلا تحالف رسمي.. بعد
يشير المحللون إلى أن التعاون الدفاعي المصري التركي ينبغي أن يفهم في سياقه الأشمل: فمصر تسعى إلى تعاون يعزز قدراتها الإنتاجية المحلية ويوازن جزئيًا اعتمادها على الموردين الغربيين ويدعم طموحها في التحول إلى مركز إقليمي لصناعة الدفاع، وفقا لصحيفة ذا ناشيونال.
بيد أن المحلل التركي ديفيجي أوغلو ينبه إلى أن "التوطيد الكامل للثقة المتبادلة والتوافق طويل الأمد على القضايا الإقليمية سيكون الشرط الأساسي لتطور العلاقة إلى شراكة استراتيجية رسمية."