تبادل الاتهامات بين إيران وأمريكا عن التفتيش النووي.. ماذا يحدث خلف الكواليس؟
وسط مفاوضات السلام الجارية في سويسرا، كشف تبادل علني حاد بين واشنطن وطهران يوم الثلاثاء عن هوّة واسعة لا تزال تفصل الطرفين حول أكثر ملفات التفاوض تعقيدًا وهو التفتيش النووي، وتجلى هذا الصدع والخلاف بوضوح حين أعلن ترامب أن إيران وافقت على "أعلى مستويات التفتيش النووي"، فيما نفى مسؤولون إيرانيون هذا الادعاء جملة وتفصيلًا، في مشهد يُجسّد ما وصفه الخبراء بـ"حرب الروايات" المتوازية بين البلدين.
ترامب يعلن.. وطهران تنفي
ونشر ترامب صباح الثلاثاء على منصة تروث سوشيال أن إيران وافقت على السماح بـ"أعلى مستويات التفتيش النووي إلى الأبد"، مُضيفًا في وقت لاحق خلال فعالية في بنسلفانيا: "لو لم يكن ثمة تفتيش فلا اتفاق." وكان نائب الرئيس جيه دي فانس قد أعلن في اليوم السابق أن إيران وافقت على السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالعودة إلى مواقعها النووية، واصفًا ذلك بأنه "الخطوة الأولى" نحو ضمان عدم حصول إيران على السلاح النووي، وفقا لصحيفة نيويورك تايمز.
غير أن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي ردّ بحزم قائلًا إن بلاده لم تقدم أي التزام بهذا الشأن، وإن المسألة لم تناقش بتفصيل يذكر. وأوضح أنه "لا توجد خطط لدعوة المفتشين إلى المواقع النووية التي استهدفت بالضربات الأمريكية الإسرائيلية في يونيو 2025"، في إشارة إلى منشآت أصفهان ونطنظ وفوردو التي تضم معظم مخزون اليورانيوم المخصب الإيراني.
الحقيقة عند مفترق طرق
كشف مسؤولان مطلعان على مجريات المفاوضات لصحيفة نيويورك تايمز، أن التفتيش كان فعلًا موضوع نقاش في سويسرا خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأن الفكرة المطروحة تقضي بمنح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات واسعة للتفتيش على أي موقع مشبوه بإشعار مسبق قصير.
وكان المدير العام للوكالة رافاييل جروسي حاضرًا في ردهات المفاوضات يحاور الطرفين حول متطلبات التحقق، والإيرانيون بدوا موافقين على المبدأ، لكنهم رفضوا تحديد مواعيد أو تفاصيل قبل حسم ملفات أخرى أبرزها الإفراج عن أصولهم المجمدة.
روبيو في الخليج.. وطهران تتمسك بصواريخها
انطلق وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في جولة خليجية بدأها من أبوظبي، حيث أكد أن لا دولة، بما فيها إيران، يحق لها فرض رسوم على العبور في مضيق هرمز، ردًا على تلميحات إيرانية سابقة بهذا الشأن. وأضاف أن "لا نهاية للعداوات في المنطقة" دون أن توقف الجماعات المسلحة الموالية لإيران هجماتها أيضًا.
وفي المقابل، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان خلال مؤتمر صحفي في إسلام أباد أن أي قيود على برنامج الصواريخ الإيراني "لن تكون جزءًا من أي اتفاق مستقبلي أبدًا"، مؤكدًا: "لو لم يكن لدينا صواريخ للدفاع عن أنفسنا، لكانت إسرائيل وأمريكا حرثتا إيران بالجرافات كما فعلتا في غزة."
الكونجرس يصوت لأول مرة على صلاحيات الحرب
في خضم هذا التوتر التفاوضي، صوت مجلس الشيوخ الأمريكي، الثلاثاء، بـ50 صوتًا مقابل 48 على قرار يلزم ترامب بإنهاء الحرب على إيران أو الحصول على تفويض من الكونغرس لمواصلتها. انضم أربعة جمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت لصالح القرار، في أبرز خروج علني على الرئيس من حزبه منذ بدء الحرب.
شكل هذا التصويت المرة الأولى في التاريخ التي تجيز فيها غرفتا الكونجرس قرارًا مشتركًا يُوجّه رئيسًا لإنهاء نزاع عسكري، منذ سنّ قانون صلاحيات الحرب عام 1973. ورغم أن القرار لا يحمل قوة قانونية ملزمة، إلا أن دلالته السياسية بالغة في مرحلة بالغة الحساسية.
تشخيص الأزمة: هرولة تهدد الجوهر
لخص ريتشارد نيفيو، كبير خبراء العقوبات في فريق مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015 والباحث الأول في جامعة كولومبيا حاليًا، جوهر المشكلة قائلًا: "يحاولون إنجاز كل شيء بسرعة كبيرة، والأمر لا يزال يبدو متسرعًا بعض الشيء." وأضاف أن التناقضات العلنية المتكررة تُشير إلى أن الطرفين "يختلفان اختلافًا جذريًا ويحاولان التغطية على ذلك." أما سوزان مالوني، نائبة رئيس معهد بروكينغز لشؤون السياسة الخارجية، فقد حدّدت المعضلة بدقة: "واشنطن وطهران منخرطتان في معركة علنية لتشكيل الرواية وتعزيز موقفهما التفاوضي على كل عنصر من عناصر الاتفاق، وهذا التباين العلني يكشف كم هو ضئيل ما اتفق عليه فعليًا، وما أضخم الهوة التي يجب ردمها في وقت قصير."