الثلاثاء 23 يونيو 2026 الموافق 08 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
رياضة

بين المكسيك وميامي وسياتل.. رحلات "إنفانتينو" المكثفة تضعه في قلب الانتقادات بمونديال 2026

رئيس فيفا
رئيس فيفا

في النسخ السابقة لبطولة كأس العالم، كان رئيس الفيفا يظهر في المدرجات، يسلم الكأس للفائز، ثم يختفي تقريبًا من المشهد. أما في مونديال 2026، فقد أصبح جياني إنفانتينو جزءًا من الحدث نفسه؛ ليس بسبب قرار مثير للجدل أو أزمة تحكيمية كبرى، بل لأن تحركاته الجوية المتواصلة حولته إلى عنوان دائم في التغطيات الإعلامية، حتى بدا وكأنه يخوض سباقًا خاصًا فوق سماء الأمريكتين بالتزامن مع البطولة.

ووفقًا لموقع موزارت بوست، ظهر إنفانتينو في مدن تفصل بينها آلاف الكيلومترات، بدءًا من حضور مباراة في المكسيك، ثم اجتماع في ميامي، ثم فعالية في سياتل، قبل العودة إلى كاليفورنيا، وربما سافر إلى كوريا الجنوبية لبعض المهام. وبالنسبة للمشاهد العادي، قد تبدو هذه التفاصيل كجزء من مسؤوليات رئيس أكبر منظمة رياضية في العالم، لكن بالنسبة للمنتقدين فإن القصة تكشف أكثر من جدول أعمال مزدحم؛ إذ تعكس الفجوة المتزايدة بين الخطاب الذي ترفعه المؤسسات الرياضية الكبرى وبين الواقع الذي تصنعه على الأرض.

بطولة لا يمكن إدارتها من الأرض

عندما منحت الفيفا حق استضافة كأس العالم لثلاث دول ولعدد غير مسبوق من المدن، كانت تراهن على توسيع السوق الكروية وتعظيم الإيرادات والوصول إلى جماهير جديدة. لكن هذا التوسع خلق تحديًا لم يكن بهذا الحجم في النسخ السابقة، يتمثل في المسافات الهائلة بين الملاعب والمدن المستضيفة.

في البطولات السابقة، كان بإمكان المسؤولين والمنتخبات والجماهير التنقل برًا أو عبر رحلات قصيرة نسبيًا، أما في نسخة 2026 فأصبح السفر الجوي جزءًا أساسيًا من يوميات البطولة. ومع اتساع الرقعة الجغرافية للحدث، تحولت الطائرة من وسيلة نقل إلى عنصر رئيسي في إدارة كأس العالم نفسه. ولهذا يرى كثير من الباحثين أن الجدل حول رحلات إنفانتينو لا يتعلق بشخصه فقط، بل يعكس طبيعة البطولة الجديدة ومسؤولية الاتحاد الدولي لكرة القدم عن النموذج الذي اختاره.

الطائرة الخاصة

وأصبحت الطائرة الخاصة التي يستخدمها إنفانتينو أكثر من مجرد وسيلة انتقال؛ تحولت إلى رمز للنقاش الدائر حول امتيازات كبار المسؤولين في عالم الرياضة.

فإنفانتينو لا يسافر على متن الرحلات التجارية التي يستخدمها آلاف المشجعين، بل يعتمد على طائرة خاصة توفرها الخطوط الجوية القطرية ضمن شراكة رعاية مع الفيفا، وهو ما يمنحه قدرة استثنائية على التنقل بين عدة مدن خلال فترة زمنية قصيرة. لكن هذه الميزة التشغيلية حملت معها انتقادات واسعة، لأن صورتها اصطدمت مباشرة بالرسائل التي تروج لها الفيفا حول الاستدامة وتقليل الانبعاثات.

ووفقًا لمعهد نيو ويذر الأمريكي، فإن الجدل لا يرتبط بالطائرة نفسها بقدر ارتباطه بما تمثله من تناقض بين خطاب بيئي معلن ونمط سفر شديد الاستهلاك للطاقة.

الاستدامة.. شعار يواجه اختبار الواقع

وحرصت الفيفا خلال السنوات الماضية على تقديم نفسها كمنظمة تهتم بالقضايا البيئية وتدعم مفاهيم مثل الحياد الكربوني والاستدامة. لكن مع توسع البطولات وتعقد متطلباتها اللوجستية، أصبحت هذه الوعود تواجه اختبارًا عمليًا صعبًا.

وتشير التقديرات البيئية إلى أن الطيران الخاص ينتج مستويات مرتفعة من الانبعاثات مقارنة بالسفر التجاري لكل راكب، وهو ما دفع نشطاء البيئة إلى اعتبار رحلات إنفانتينو مثالًا واضحًا على الفجوة بين الشعارات والممارسات.

وبحسب صحيفة دايلي صن، يرى منتقدون أن القضية لا تتعلق بشخص واحد أو بطائرة واحدة، بل بمنظومة رياضية كاملة تتحدث عن حماية المناخ، بينما تعتمد في الواقع على نموذج يقوم على السفر الجوي المكثف.

فحين تصبح تنقلات مسؤول واحد قادرة على إنتاج انبعاثات تقارب ما تخلفه أسر كاملة خلال عام كامل، فإن الجدل يتجاوز إنفانتينو ليصل إلى فلسفة البطولة نفسها.

الوجه البيئي القاتم لمونديال الـ48 منتخبًا

وراء الجدل حول رحلات رئيس الفيفا، تظهر قضية أوسع تتعلق بمستقبل كأس العالم. فزيادة عدد المنتخبات من 32 إلى 48 لا تعني فقط مباريات أكثر وجماهير أكبر وعوائد تجارية ضخمة، بل تعني أيضًا حركة نقل هائلة تشمل اللاعبين والإداريين والإعلاميين والرعاة والمشجعين.

ولهذا يحذر النشطاء من أن البطولة الجديدة قد تصبح نموذجًا لـ"التوسع غير المستدام"، حيث تستمر الأحداث الرياضية في النمو عامًا بعد عام، بينما لا يواكب ذلك تطور مماثل في تقليل آثارها البيئية.

غضب يتجاوز الأرقام

اللافت أن الجدل لم يعتمد فقط على الدراسات البيئية، بل على الصورة التي وصلت إلى الجماهير. ففي الوقت الذي كان فيه بعض المشجعين يواجهون ساعات طويلة من السفر والتنقل بين المدن المستضيفة، كانت صور إنفانتينو وهو ينتقل بطائرته الخاصة تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومع كل ظهور جديد، عاد السؤال نفسه إلى الواجهة: هل تعيش إدارة كرة القدم العالمية في عالم مختلف عن عالم الجماهير؟ فالقضية لم تعد تتعلق فقط بحجم الانبعاثات فحسب، بل بصورة السلطة والامتيازات والفجوة المتزايدة بين من يديرون اللعبة ومن يصنعون شعبيتها حول العالم.