الأربعاء 24 يونيو 2026 الموافق 09 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية: هدنة تكتيكية ذات عواقب استراتيجية| تحليل

أرشيفية
أرشيفية

سلط تحليل لمؤسسة أوبزيرفر ريسيرش فاونديشن الضوء على التفاهم الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان، قبل أسبوع، إذ جاء في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، بعدما بلغت المواجهة بين واشنطن وطهران مستويات غير مسبوقة من التصعيد. فخلال الأشهر الماضية تحولت المنطقة إلى ساحة مفتوحة للرسائل العسكرية المتبادلة، وتزايدت المخاوف من اندلاع مواجهة أوسع قد تمتد آثارها من الخليج إلى شرق المتوسط، وسط اضطرابات متكررة في أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية.

وفي هذا المناخ المضطرب، بدا الاتفاق أقرب إلى محاولة عاجلة لوقف الانزلاق نحو المجهول منه إلى تسوية تاريخية تنهي عقودا من العداء المتبادل.

تكلفة الحرب أكبر من مكاسبها

يصعب فهم التفاهم بعيدا عن حجم الضغوط التي تعرضت لها جميع الأطراف خلال الأشهر الأخيرة. فالضربات العسكرية المتبادلة، والتهديدات المستمرة للملاحة البحرية، وحالة الاستنفار التي شهدتها المنطقة، رفعت فاتورة المواجهة إلى مستويات باتت تثير القلق لدى العواصم المعنية.

ومع اتساع دائرة المخاطر، برز إدراك متزايد بأن استمرار التصعيد قد يقود إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي. ومن هنا جاء الاتفاق بوصفه محاولة لشراء الوقت ومنع انفجار أزمة أكبر، لا بوصفه حلا نهائيا للخلافات المتراكمة.

هرمز.. الشريان الذي فرض التهدئة

في قلب التفاهم يقف مضيق هرمز باعتباره العامل الأكثر تأثيرا في حسابات الجميع. فهذا الممر البحري الحيوي لا يمثل مجرد نقطة عبور إقليمية، بل يعد أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

وأي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة عبره كفيل بإرباك أسواق الطاقة الدولية ورفع تكاليف النقل والتأمين وإعادة إشعال موجات التضخم في عدد من الاقتصادات الكبرى. لذلك لم يكن مفاجئا أن يحتل ملف أمن الملاحة موقعا مركزيا في التفاهم، وأن يحظى بأولوية تفوق العديد من الملفات السياسية الأخرى.

من الضغوط القصوى إلى المرونة الحذرة

أحد أبرز جوانب الاتفاق يتمثل في البعد الاقتصادي. فالإشارات المتعلقة بتخفيف بعض القيود على صادرات النفط الإيرانية وإمكانية الوصول إلى أصول مالية مجمدة تعكس تحولا ملحوظا مقارنة بالسياسات التي سادت خلال السنوات الماضية.

لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية سياسة العقوبات أو حدوث انفراج اقتصادي كامل. فما زالت تفاصيل التنفيذ غير واضحة بالكامل، كما أن نجاح أي ترتيبات مالية سيظل مرتبطا بدرجة الثقة المتبادلة وقدرة الطرفين على الالتزام بتعهداتهما خلال المرحلة المقبلة.

الملف النووي.. الأزمة التي جرى تأجيلها

رغم أهمية الاتفاق، فإن القضية الأكثر حساسية بقيت دون حل حقيقي. فالبرنامج النووي الإيراني، الذي كان دائما محور التوتر الرئيسي بين البلدين، لم يشهد اختراقا جوهريا. فالقضايا المتعلقة بمستويات تخصيب اليورانيوم، وآليات الرقابة، والمخزونات النووية، والقدرات الصاروخية، لم تتم تسويتها، بل جرى ترحيلها إلى مفاوضات لاحقة. وبذلك يمكن القول إن الاتفاق نجح في احتواء الأزمة مؤقتا، لكنه لم ينجح في إزالة أسبابها الأساسية.

أشباح الماضي لا تزال حاضرة

التاريخ الطويل من انعدام الثقة بين واشنطن وطهران يلقي بظلاله الثقيلة على أي محاولة للتقارب. فالذاكرة السياسية للطرفين ما زالت محملة بتجارب فاشلة واتفاقات انهارت بعد سنوات من التفاوض.

ولهذا فإن نجاح المرحلة الحالية لن يعتمد فقط على البنود المكتوبة، بل على قدرة الجانبين على تجاوز إرث الشكوك المتبادلة الذي رافق علاقتهما لعقود.

معارضة من الداخل وقلق في الخارج

لا يواجه الاتفاق تحديات خارجية فقط، بل يواجه أيضا عقبات سياسية داخلية. ففي الولايات المتحدة يرى منتقدون أن تقديم تسهيلات اقتصادية لطهران قد يمنحها متنفسا دون الحصول على تنازلات استراتيجية كافية.

وفي إيران لا تزال أصوات مؤثرة تنظر إلى الولايات المتحدة باعتبارها شريكا غير موثوق، وترى أن أي تفاهم معها قد يكون مؤقتا وقابلا للانهيار عند أول تغير سياسي في واشنطن.

أما إقليميا، فإن عددا من القوى الفاعلة يتابع الاتفاق بحذر شديد، خشية أن يؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ أو منح إيران مساحة أوسع للحركة الاقتصادية والدبلوماسية.

تهدئة مؤقتة لا شرق أوسط جديد

على الرغم من الأجواء الإيجابية التي رافقت الإعلان عن التفاهم، فإن الحديث عن تحول جذري في موازين القوى الإقليمية يبدو سابقا لأوانه.

فالقضايا المرتبطة بالنفوذ الإيراني في المنطقة ما زالت قائمة، والمخاوف الأمنية الإسرائيلية لم تتبدد، كما أن شبكة الصراعات والتحالفات التي تشكل المشهد الإقليمي بقيت على حالها إلى حد كبير.

ولهذا يبدو الاتفاق أقرب إلى خطوة لاحتواء التوترات وخفض احتمالات الانفجار، لا إلى مشروع يعيد رسم الخريطة السياسية للشرق الأوسط.

بين الفرصة والمجهول

يمثل التفاهم الأمريكي الإيراني لحظة مهمة في مسار العلاقات بين البلدين، لكنه يظل اتفاقا هشا أكثر منه تسوية راسخة. لقد نجح في إبعاد شبح المواجهة المباشرة مؤقتا وفتح نافذة جديدة للدبلوماسية، إلا أن الملفات الأكثر تعقيدا ما زالت تنتظر الحل.

وبينما تنظر الأسواق والعواصم إلى الاتفاق باعتباره فرصة لالتقاط الأنفاس، تتزايد الشكوك حول ما إذا كانت هذه التهدئة قد تمهد لمسار أكثر استقرارا، أم أنها مجرد فصل جديد في دورة طويلة من التصعيد والتهدئة بين واشنطن وطهران.