نتائج الانتخابات الأمريكية.. انتصار ديمقراطي ساحق يربك ترامب ويفتح معركة مبكرة على رئاسة 2028
حمل الرابع من نوفمبر مشهدًا سياسيًا استثنائيًا في واشنطن، بعدما حقق الديمقراطيون مكاسب انتخابية تجاوزت التوقعات في انتخابات التجديد النصفي التي جرت في الثالث من نوفمبر، ودفعت الحزب نحو السيطرة على مجلسي الكونجرس.
وقدرت شبكة “سي بي إس نيوز” حصتهم في مجلس النواب بما يتراوح بين 251 و268 مقعدًا، مع حصولهم على 54 مقعدًا على الأقل في مجلس الشيوخ.
وفي لندن، قرأ خبراء المعهد الملكي للشؤون الدولية، تشاتام هاوس، النتائج باعتبارها نقطة تحول في رئاسة دونالد ترامب، واختبارًا لقدرة الحزبين على رسم ملامح السباق الرئاسي لعام 2028.
فوز ديمقراطي يتجاوز التوقعات
وصفت لوريل راب، مديرة برنامج الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية في تشاتام هاوس، الانتصار الديمقراطي بأنه ساحق، وتجاوز في حجمه التوقعات السابقة.
وقدر مكتب الانتخابات في شبكة “سي إن بي سي” حصول الديمقراطيين على 250 مقعدًا على الأقل في مجلس النواب، مقابل 165 مقعدًا على الأقل للجمهوريين.
وتمنح هذه الأغلبية الديمقراطيين قدرة أكبر على إخضاع إدارة ترامب للرقابة البرلمانية، وفتح تحقيقات موسعة واستدعاء الشهود، بما يضع البيت الأبيض أمام مواجهة سياسية ومؤسسية خلال العامين المتبقيين من الولاية.
غضب الناخبين يلاحق سياسات ترامب
وربط محللون في جامعة نورث إيسترن المكاسب الديمقراطية بتصاعد استياء الناخبين من الحرب على إيران، وارتفاع أسعار الوقود، وأزمة تكلفة المعيشة.
وكشفت استطلاعات الخروج التي نقلتها “سي بي إس نيوز” عن تراجع تأييد ترامب إلى 38%، بينما اعتبر نحو 60% من الناخبين أن الرئيس شكل عاملا مؤثرا في اختيارهم مرشحي مجلس النواب.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية إضافية لأن السياسة الخارجية حضرت بقوة في انتخابات التجديد النصفي، على خلاف المعتاد في مثل هذه الاستحقاقات.
ويرى تشاتام هاوس أن الناخبين باتوا يربطون بين الأعباء الاقتصادية داخل الولايات المتحدة والقرارات التي تتخذها الإدارة الأمريكية خارج حدودها، خصوصا في ظل تداعيات المواجهة مع إيران.
زلزال لمعاقل الجمهوريين
لم تقتصر المكاسب الديمقراطية على الدوائر المتأرجحة، بل امتدت إلى معاقل جمهورية تقليدية، مع تقدم مرشحين معتدلين ومحافظين ديمقراطيين في مناطق اعتاد الجمهوريون السيطرة عليها.
وقالت “راب” إن الديمقراطيين حققوا انتصارات حتى في دوائر أعادت مجالس تشريعية جمهورية رسم حدودها لمصلحة مرشحي الحزب، ولم تنجح إعادة تقسيم الدوائر في ولايات مثل تكساس وفلوريدا في حماية الجمهوريين من الخسائر.
وتشير النتائج إلى أن الارتباط السياسي بترامب قد يتحول إلى عبء انتخابي على مرشحي الحزب الجمهوري، خصوصا في المناطق التي تتزايد فيها المخاوف بشأن الاقتصاد والسياسة الخارجية.
ترامب يدخل مرحلة البطة العرجاء
في تحليل بعنوان "ترامب يعيد تعريف رئاسة البطة العرجاء"، يلفت المعهد الملكي، تشاتام هاوس، إلى أن الناخبين تعاملوا مع انتخابات التجديد النصفي باعتبارها استفتاء على أداء الرئيس، رغم غياب اسمه عن بطاقات الاقتراع. كما بدا ترامب مستعدا منذ أشهر لاحتمال خسارة الجمهوريين.
ويستعيد المعهد تجربة الولاية الأولى، عندما تعثرت طموحات ترامب بشأن تمويل الجدار الحدودي ومشروعات البنية التحتية وسياسات الهجرة، بعدما استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب عام 2018.
وفي المقابل، استخدم الجمهوريون مفاوضات سقف الدين خلال النصف الثاني من رئاسة جو بايدن لانتزاع تنازلات تتعلق بالإنفاق الحكومي. ويضع ترامب إرثه السياسي في مقدمة أولوياته، ويسعى إلى ترك نهاية استثنائية لولايته.
وخلال ندوة عقدت في الثالث من نوفمبر، توقع لودوفيك هود، الباحث في معهد هدسون والمسؤول السابق بوزارة الخارجية الأمريكية، دخول ترامب مرحلة البطة العرجاء، لكنه وصفه في الوقت نفسه بأنه رئيس براجماتي يعتمد كثيرا على حدسه في إدارة السياسة الخارجية.
السياسة الخارجية.. مساحة ترامب المفتوحة
تقول راب لشبكة سي إن بي سي إن الرئيس سيواجه قيودا أكبر في الملفات الداخلية، خصوصًا التحقيقات والرقابة البرلمانية، لكنه سيحتفظ بهامش واسع للتحرك خارجيًا، في ظل استمرار ملفات شائكة تتعلق بإيران وروسيا وأوكرانيا.
وتتوقع أن يسعى الديمقراطيون إلى إجراء تصويتات في مجلسي الكونجرس لتقييد صلاحيات الرئيس في شن الحرب على إيران، لكنها تفرق بين تمرير هذه التصويتات والقدرة الفعلية على إلزام الإدارة بتنفيذها، ونقلت الجزيرة عنها تقديرًا مماثلًا.
وكان تشاتام هاوس قد حذر قبل الانتخابات من أن تعهد ترامب بعدم مهاجمة إيران قبل الاقتراع لا يعني استبعاد التصعيد بعده، بل قد يجعل المرحلة التالية أكثر اضطرابا على الساحة الدولية.
خلافات الديمقراطيين تهدد وحدة الحزب
رغم الانتصار، لا يضمن امتلاك الديمقراطيين أغلبية المجلسين اتفاقهم على جميع الملفات، ويسعى الحزب إلى توحيد صفوفه حول أجندة تشريعية مشتركة، لكن الخلافات بشأن السياسة الخارجية لا تزال حاضرة بقوة.
وتتصدر العلاقة مع إسرائيل هذه الانقسامات، مع تزايد الأصوات الديمقراطية التي تطالب بخفض المساعدات الأمريكية، وربط مبيعات الأسلحة بشروط سياسية، وصولا إلى تعليق بعضها.
كما يختلف التقدميون مع تيارات أخرى داخل الحزب بشأن الإنفاق العسكري، ويدعون إلى تقليص الالتزامات المالية الخارجية وتوجيه مزيد من الموارد إلى الداخل الأمريكي.
سقف الدين.. سلاح الديمقراطيين في مواجهة ترامب
يرى تحليل سي إن بي سي أن سقف الدين يمثل إحدى أبرز أوراق الضغط المتاحة أمام الأغلبية الديمقراطية الجديدة، باعتباره تشريعا لا تستطيع الإدارة الاستغناء عن تمريره، ويمكن للديمقراطيين استخدام المفاوضات لانتزاع تنازلات من ترامب، الذي يتعهد بمقاومة أجندتهم التشريعية.
وتحذر الشبكة الإخبارية في تحليلها من أن الأسواق المالية قد تتضرر من أجواء المواجهة السياسية، حتى إذا انتهت المفاوضات إلى تسوية، وفي المقابل، قال ترامب لـ"سي إن بي سي" إنه يستطيع العمل مع الديمقراطيين في ملفات أكثر مما يتوقعه كثيرون.
الجمهوريون يبحثون مستقبل ما بعد ترامب
لا تتوقف تداعيات الهزيمة عند خسارة المقاعد، بل تمتد إلى مستقبل الحزب الجمهوري نفسه، وترى راب أن الحزب سيضطر إلى التعامل مع نتائج الانتخابات بالتزامن مع التفكير في مرحلة ما بعد ترامب، وسط احتمالات تصاعد الخلافات بين أعضائه بشأن استمرار بعض سياساته الخارجية التي فقدت الشعبية تمامًا.
وتكشف قراءة تشاتام هاوس عن معادلة سياسية جديدة، فثمة أغلبية ديمقراطية تمنح الكونجرس قدرة أكبر على مراقبة الرئيس ومواجهة أجندته الداخلية، مقابل استمرار احتفاظ ترامب بمساحة واسعة للمناورة في السياسة الخارجية.
وبينما يستعد الحزبان لمعركة 2028، ستتوقف فرصهما على قدرتهما على تقديم بدائل مقنعة للناخبين، وتحديد حدود السلطة الرئاسية في عالم تتداخل فيه الحسابات الاقتصادية مع الصراعات الدولية.





