الجمعة 23 أكتوبر 2026 الموافق 12 جمادى الأولى 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

هل يمكن إيقاف صعود تركيا الإقليمي بعد الاتفاق البحري مع حفتر؟

الرئيس نيوز

رصد تحليل لموقع المونيتور الأمريكي كيف فتحت مصادقة برلمان شرق ليبيا على الاتفاق البحري الموقع بين تركيا وحكومة طرابلس عام 2019 جبهة جديدة للصراع على النفوذ والخلاف حول الحدود البحرية في شرق المتوسط، بعدما أعادت أنقرة إحياء تفاهم يواجه اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية، وسط اتهامات بأنه يتجاهل حقوق دول أخرى ويمنح تركيا مجالا أوسع لفرض مطالبها البحرية.

وتتحرك القاهرة وأثينا بشكل عاجل من أجل احتواء التداعيات، عبر تجديد رفضهما الاتفاق والتأكيد على مرجعية القانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بالتوازي مع بحث توسيع اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين شرقا باتجاه قبرص. 

ويكشف هذا التحرك أن المواجهة لن تتوقف عند تصويت برلماني في ليبيا، بل ستنتقل إلى معركة دبلوماسية وقانونية لتثبيت الحقوق البحرية ومنع فرض أمر واقع في منطقة تتنافس فيها الدول على الطاقة والممرات الاستراتيجية.

اتفاق مثير للجدل يعود من بوابة شرق ليبيا

وافق مجلس النواب الليبي المتمركز في شرق البلاد بالإجماع، في 20 أكتوبر، على مذكرة ترسيم الحدود البحرية مع تركيا، متراجعا عن موقفه السابق الرافض للاتفاق، كما ألغى قرارات صدرت عام 2020 بقطع العلاقات السياسية مع أنقرة.

ويمنح هذا التحول تركيا غطاء سياسيا جديدا لتوسيع علاقاتها مع معسكر خليفة حفتر، بعد سنوات من التوتر الذي أعقب دعمها العسكري لحكومة طرابلس خلال معارك السيطرة على العاصمة.

لكن الموافقة البرلمانية لا تحسم النزاع القانوني بشأن الحدود البحرية، ولا تمنح الاتفاق تلقائيا القدرة على إلغاء حقوق الدول الأخرى أو تجاوز التزامات القانون الدولي.

وترى اليونان أن المذكرة تنتهك حقوقها السيادية وتتجاهل الأثر القانوني لجزرها في ترسيم المناطق البحرية، بينما ترفض مصر الاتفاق بسبب ما تعتبره مساسا بحقوقها في شرق المتوسط. 

القاهرة وأثينا تتمسكان بالقانون الدولي

جدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره اليوناني جورج جيرابتريتيس، خلال اتصال هاتفي في 22 أكتوبر، رفضهما القاطع التصديق الليبي على المذكرة البحرية، وشددا على ضرورة احترام قانون البحار الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982، التي تنظم ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة والجرف القاري على أساس العدالة والإنصاف.

ويحمل الموقف المشترك رسالة واضحة إلى أنقرة وبنغازي: لا تستطيع ترتيبات ثنائية بين أطراف متنازعة أن تحسم من جانب واحد حقوق الدول الأخرى في المياه المتداخلة أو المتنازع عليها.

وتستند القاهرة وأثينا إلى اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة الذي وقعته الدولتان في أغسطس 2020، وتؤكدان استمرار التنسيق الدبلوماسي والقانوني لحماية مصالحهما. 

اتفاق مصري يوناني مضاد لمحاولات فرض الأمر الواقع

في خطوة تتجاوز الاعتراض السياسي، اتفقت مصر واليونان من حيث المبدأ على بدء محادثات لتمديد اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة شرقا باتجاه قبرص.

ويستهدف المسار الجديد استكمال ترسيم المناطق البحرية التي لم يشملها اتفاق عام 2020، وتعزيز الأساس القانوني للموقف المشترك في مواجهة المطالبات التركية الليبية.

وتكتسب الخطوة أهمية خاصة لأن الاتفاق المصري اليوناني السابق رسم جزءا من الحدود البحرية بين البلدين، بينما ظلت مناطق أخرى شرقا خارج الترسيم النهائي.

ويمنح استكمال المحادثات القاهرة وأثينا فرصة لتحديد مواقفهما بصورة أكثر وضوحا، مع مراعاة أحكام قانون البحار وحقوق الأطراف المعنية، بدلا من ترك المجال أمام اتفاقات متنافسة تزيد الغموض وتوسع احتمالات التصعيد. وفقا لوكالة "رويترز" البريطانية وصحيفة "كاثيميريني" اليونانية.

أنقرة تستثمر الانقسام الليبي

يخدم التقارب التركي مع شرق ليبيا استراتيجية أنقرة في توسيع نفوذها عبر طرفي الانقسام الليبي، بعدما رسخت وجودها في غرب البلاد من خلال التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي، ويمنحها قبول البرلمان الشرقي فرصة لتعزيز حضورها السياسي في بنغازي، وربط علاقاتها المتنامية هناك بملف الحدود البحرية والطاقة.

لكن توظيف الانقسام الليبي في صراع الحدود يهدد بتحويل المياه المتنازع عليها إلى ساحة إضافية للمنافسة الإقليمية. 

كما أن موافقة البرلمان لا تعني موافقة جميع المؤسسات الليبية أو إنهاء الخلاف بين سلطات الشرق والغرب، ولا تزيل اعتراضات الدول المتضررة من الاتفاق. 

معركة قانونية ودبلوماسية مفتوحة

تواجه مصر واليونان اختبارا يتطلب الجمع بين التنسيق الثنائي والتحرك داخل المؤسسات الدولية، مع إشراك قبرص والاتحاد الأوروبي في جهود منع تكريس ترتيبات بحرية متنازع عليها، وفي المقابل، تراهن تركيا على تحويل التقارب مع شرق ليبيا إلى ورقة تفاوضية تعزز موقعها في شرق المتوسط.

ولا يحسم التصويت الليبي مستقبل النزاع، لكنه يرفع كلفة تجاهله، ويجعل التحرك المصري اليوناني أكثر إلحاحا، وستتحدد النتائج بمدى قدرة القاهرة وأثينا على تثبيت موقفهما قانونيا، واستكمال ترسيم مناطقهما البحرية، والحيلولة دون تحول الاتفاق التركي الليبي إلى أمر واقع تتعامل معه الأطراف الأخرى باعتباره حدودًا نهائية.