«لوموند ديبلوماتيك»: إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر يسعيان للاستحواذ على سواحل ألبانيا الساحرة
تتحول السواحل الألبانية المطلة على البحر الأدرياتيكي إلى ساحة جديدة لصراع المصالح بين حماية الطبيعة وشهية المستثمرين العقاريين، بعدما جذبت مناطقها الساحرة اهتمام إيفانكا ترامب، ابنة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وزوجها جاريد كوشنر، اللذين يستهدفان إقامة منتجعات فاخرة ومشروعات سياحية على جزر وشواطئ ظلت بعيدة نسبيا عن زحف الخرسانة. وتكشف مجلة "لوموند ديبلوماتيك" الفرنسية، في تحقيق للصحفية آنا أوتاسيفيتش، عن التداخل بين الطموحات الاستثمارية والنفوذ السياسي، في بلد يسعى إلى تنشيط السياحة، لكنه يواجه خطر التضحية بموارده الطبيعية الأكثر تميزا.
من سحر الطبيعة إلى شهية المستثمرين
تتمتع ألبانيا بساحل يمتد على البحر الأدرياتيكي، وتضم مناطق طبيعية تجمع بين الشواطئ الرملية والكثبان والغابات والبحيرات، فضلا عن أنهار تحتفظ بقدر كبير من طبيعتها البرية. وقد استقطبت هذه المناظر الرحالة والشعراء منذ قرون، ومن بينهم الشاعر البريطاني اللورد بايرون، الذي افتتن بجمال جنوب البلاد خلال رحلته عام 1809، قبل أن يحتفي بطبيعتها في قصيدته "رحلة تشايلد هارولد". لكن المشهد الذي ألهم الشعراء بات يجذب مستثمري السياحة الفاخرة، وسط مخاوف من أن تؤدي المشروعات الجديدة إلى تغيير ملامح الساحل بصورة يصعب التراجع عنها.
زيارة فتحت باب الفرص أمام عائلة ترامب
بدأت القصة في يوليو 2021، عندما زارت إيفانكا ترامب وجاريد كوشنر جزيرة سازان الألبانية على متن يخت يملكه الممول البريطاني ناثانيال روتشيلد. وتكتسب الجزيرة أهمية جغرافية بسبب موقعها بين خليج فلوره ومضيق أوترانتو، الذي يصل البحر الأدرياتيكي بالبحر الأيوني، كما تحمل تاريخا عسكريا يعود إلى فترات السيطرة الإيطالية والألمانية، ثم استخدامها قاعدة للغواصات السوفيتية خلال الحرب الباردة.
وخلال توقفهما في ميناء دوريس للتزود بالوقود، التقيا رئيس الوزراء الألباني إيدي راما، الذي عرض رؤيته لتطوير السياحة بوصفها محركا للنمو. ووفقا للتحقيق، رأت إيفانكا فرصة تجارية في إقامة منتجعات فاخرة بشواطئ خاصة على جزيرة سازان وأجزاء من الساحل الرئيسي، وهو توجه يثير أسئلة حول مستقبل المناطق الطبيعية عندما تتحول إلى أصول استثمارية مرتفعة القيمة.
مشروعات فاخرة في منطقة شديدة الحساسية بيئيا
لا تتعلق القضية بقطعة أرض معزولة عن محيطها، إذ يقع عبر الخليج نطاق فيوسا-نارتا المحمي، الذي يضم بحيرة نارتا ومصب نهر فيوسا، أحد آخر الأنهار البرية في أوروبا. وتستقبل المنطقة نحو 250 نوعا من الطيور، بينها طيور النحام الوردي والبجع، بفضل موقعها على مسار رئيسي لهجرة الطيور بين إفريقيا وأوروبا.
ويضع هذا التنوع البيولوجي المشروعات السياحية المقترحة أمام معادلة معقدة: كيف يمكن جذب الاستثمارات وخلق فرص اقتصادية من دون الإضرار بالنظم البيئية التي تمنح الساحل قيمته السياحية؟ فإقامة المنتجعات والشواطئ الخاصة قد تغير استخدام الأراضي، وتزيد الضغوط على المناطق الطبيعية، وتثير خلافات حول حق السكان والزوار في الوصول إلى الساحل. ويكتسب السؤال أهمية إضافية عندما تتداخل المصالح الاستثمارية مع دعم سياسي على أعلى مستوى. (لوموند ديبلوماتيك الفرنسية)
إيدي راما والاستثمار الذي يحتاج إلى ضمانات
عاد كوشنر إلى منطقة فلوره بعد الزيارة الأولى، حيث كان العمل جاريا في مطار فلوره الدولي، والتقى راما مجددا خلال منتدى دافوس، عارضا الاستثمار في ألبانيا. ويشير التحقيق إلى أن رئيس الوزراء تحرك بعد ذلك لتهيئة الظروف أمام المشروع، بما يسلط الضوء على دور الحكومات في تحويل الأفكار الاستثمارية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.
وتكمن حساسية هذه العلاقة في أن الدولة التي تسعى إلى جذب رأس المال مطالبة في الوقت نفسه بحماية المصلحة العامة، وضمان الشفافية في القرارات المتعلقة بالأراضي والسواحل والمناطق المحمية. ولا تكفي الوعود الاقتصادية وحدها للحكم على أي مشروع؛ إذ يتوقف تقييمه على شروطه، وأثره البيئي، ومدى استفادة المجتمعات المحلية منه، والضمانات التي تمنع احتكار مساحات ساحلية كانت متاحة للجمهور. (لوموند ديبلوماتيك الفرنسية)
هل تدفع ألبانيا ثمن نجاحها السياحي؟
تضع قصة سازان والساحل المحيط بها ألبانيا أمام اختبار يتجاوز مشروعين عقاريين أو اسمين ينتميان إلى الدائرة المقربة من الرئيس الأمريكي. فالسؤال يتعلق بنموذج التنمية الذي تختاره البلاد: هل تعتمد على بيع تجربة طبيعية استثنائية للسائح، أم تسمح بتحويل هذه التجربة إلى مجمعات فاخرة مغلقة قد تقوض المقومات التي جذبت الزوار أصلا؟
وتبرز أهمية القضية مع تصاعد التنافس على السواحل المتوسطية والأدرياتيكية، حيث تتزايد قيمة الأراضي كلما بقيت الطبيعة أقل تعرضا للتطوير. وقد تحقق المشروعات الفاخرة عوائد مالية، لكن تلك العوائد لا تعوض تلقائيا خسارة الموائل الطبيعية أو تقييد الوصول إلى الشواطئ. ومن هنا، تصبح قدرة المؤسسات الألبانية على فرض قواعد واضحة ومحاسبة المستثمرين عاملا حاسما في تحديد ما إذا كان الاستثمار سيخدم البلاد أم سيعيد رسم ساحلها لمصلحة أصحاب الثروات والنفوذ.