من البرتغال إلى أمريكا.. ماذا يقول التاريخ عن صراع هرمز وباب المندب؟
تحول مضيقا هرمز وباب المندب إلى عنوان لصراع جيوسياسي يتجاوز موقعهما على الخريطة، نظرًا إلى تحكمهما في طرق بحرية تربط الخليج العربي وبحر العرب والبحر الأحمر بالمحيط الهندي، ما يجعل السيطرة على حركة السفن والتجارة والطاقة ورقة نفوذ كبرى.
غير أن الصراع على هذين الممرين ليس جديدًا، إذ تكشف أربعة قرون من التاريخ أن القوى الخارجية تستطيع فرض هيمنتها على المضائق لفترات، لكنها نادرًا ما تحتفظ بها إلى الأبد.
الصين والبرتغال.. بدايات الصراع على المضائق
بدأ أحد أقدم نماذج النفوذ البحري الخارجي مع الصين في عهد أسرة مينج. ففي عام 1405 أطلق الأميرال المسلم تشنغ خه أولى رحلاته السبع في المحيط الهندي، وقاد أساطيل ضخمة وصلت إلى هرمز نحو عام 1414، ثم إلى عدن وعبرت باب المندب إلى البحر الأحمر.
ولم تسع الصين في تلك المرحلة إلى إقامة مستعمرات، وإنما اعتمدت على القوة البحرية والدبلوماسية والتجارة، ودخلت في شبكة تجارية كانت تهيمن عليها قوى عربية وفارسية وهندية وشرق أفريقية.
لكن الصين أنهت رحلاتها البحرية في ثلاثينيات القرن الخامس عشر، مع تغير أولويات الدولة وارتفاع كلفة الأسطول. وأصبحت التجربة مثالًا مبكرًا على أن القوة البحرية تحتاج إلى إرادة سياسية وموارد مستمرة حتى تتحول إلى نفوذ طويل الأمد، فالأسطول الضخم يستطيع الوصول إلى المضيق وإظهار القوة، لكنه يحتاج إلى منظومة سياسية واقتصادية تحافظ على وجوده وتبرر تكلفته.
وشهد القرن السادس عشر انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر عنفًا مع صعود البرتغال. ففي عام 1513 هاجم أفونسو دي ألبوكيرك عدن سعيًا للسيطرة على مدخل البحر الأحمر، لكنه فشل في اقتحام المدينة المحصنة. وبعد عامين نجح في الاستيلاء على هرمز، وفرض نظام «الكارتاز»، الذي ألزم السفن التجارية بالحصول على تصاريح مدفوعة للمرور.
وكشفت تجربة البرتغال مبكرًا حدود التفوق البحري، إذ تستطيع السفن قصف الموانئ وتعطيل التجارة، لكنها لا تضمن إخضاع الأراضي والمجتمعات المحيطة بها. وكانت السيطرة على هرمز تحتاج إلى شبكة أوسع من القواعد والتحالفات والقدرة على تأمين البر والبحر معًا.
وفي عام 1622 تعاونت قوات الدولة الصفوية مع سفن شركة الهند الشرقية الإنجليزية لطرد البرتغاليين من هرمز، لتنتهي مرحلة من الهيمنة الأوروبية المبكرة على الخليج. ولم يكن سقوط البرتغاليين نتيجة تفوق قوة بحرية واحدة فقط، بل نتيجة تغير التحالفات وظهور منافسين قادرين على استغلال نقاط ضعف القوة المسيطرة.
من هرمز إلى عدن.. تغير خريطة النفوذ
بعد خروج البرتغاليين، تنافست قوى عثمانية وصفوية وعمانية وهولندية وإنجليزية على الموانئ وطرق التجارة. ودخلت شركة الهند الشرقية الهولندية المنطقة عام 1614، وأقامت وجودًا في ميناء المخا اليمني، قبل أن تنافس البريطانيين في بندر عباس.
ولم تعتمد المنافسة على المدافع وحدها، فقد نقل الهولنديون نباتات البن العربي من اليمن إلى جاوة، حيث وسعوا زراعته على نطاق كبير، ليغيروا بذلك خريطة تجارة البن العالمية. وأثبتت التجربة أن السيطرة على الإنتاج وسلاسل الإمداد يمكن أن تمنح قوة نفوذ يوازي السيطرة على الممرات البحرية.
لكن بريطانيا حسمت ميزان القوى لاحقًا. ففي عام 1839 استولت على عدن، وأقامت شبكة من الاتفاقات مع حكام وقبائل جنوب اليمن، ما منحها نفوذًا واسعًا على باب المندب. وتحولت عدن إلى محطة بحرية ومركز اتصالات، ثم ازدادت أهميتها بعد افتتاح قناة السويس عام 1869، عندما أصبح البحر الأحمر أقصر طريق بحري إلى الهند.
ومنذ ذلك الوقت أصبح باب المندب جزءًا من منظومة استراتيجية أوسع تربط أوروبا بآسيا، ولم تعد أهمية المضيق مرتبطة بالتجارة الإقليمية وحدها، بل أصبحت مرتبطة بسرعة انتقال السفن والبضائع والطاقة بين المحيط الهندي والبحر المتوسط.
أمريكا ترث النفوذ البريطاني
بعد الحرب العالمية الثانية انتقل مركز القوة في الخليج إلى الولايات المتحدة، واعتمد النفوذ الأمريكي على القواعد العسكرية وحاملات الطائرات ومبيعات السلاح، مقابل حماية تدفق النفط. وفي عام 1980 أعلن الرئيس جيمي كارتر أن أي محاولة للسيطرة على الخليج ستواجه بالقوة العسكرية، فيما عرف بـ«مبدأ كارتر».
لكن الصراع الأمريكي الإيراني الحالي يكشف حدود هذا النفوذ، إذ تستطيع السفن الأمريكية حماية طرق الملاحة، لكنها لا تستطيع إزالة قدرة إيران على رفع تكلفة المرور أو الضغط على التجارة. وتظهر التجربة التاريخية أن التفوق البحري لا يلغي قدرة القوى المحلية على التأثير في البيئة السياسية المحيطة بالمضائق.
وينطبق المنطق ذاته بدرجات مختلفة على باب المندب، حيث أثبتت الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة أن تهديد الملاحة لا يحتاج إلى أسطول تقليدي كبير. ويكفي أحيانًا امتلاك وسائل منخفضة التكلفة نسبيًا لإجبار شركات الشحن على إعادة حساب المخاطر والتأمين ومسارات السفن.
الدرس التاريخي لصراع هرمز وباب المندب
تكشف مسيرة هرمز وباب المندب أن الهيمنة البحرية الخارجية يمكن أن تكون مؤقتة مهما بدت قوية. فقد أوقفت الصين أساطيلها، وخسرت البرتغال هرمز، ونقل الهولنديون ثقلهم التجاري إلى جاوة، ثم غادرت بريطانيا عدن.
واليوم لا تحتاج القوى المحلية إلى أساطيل تضاهي القوى الكبرى حتى تتمكن من التأثير في حركة الملاحة. فالصواريخ والطائرات المسيرة والألغام تستطيع رفع مخاطر الملاحة وزيادة تكاليف التأمين والشحن، وتحويل الممر البحري إلى نقطة ضغط اقتصادي وسياسي.
كما أن قيمة المضيق لا تتحدد بعرضه الجغرافي فقط، وإنما بما يمر عبره من تجارة وطاقة، وما يرتبط به من موانئ وأسواق وسلاسل إمداد.
وتؤكد هذه القاعدة أن السيطرة على مضيق استراتيجي لا تعني بالضرورة السيطرة على المنطقة المحيطة به. فالقوى المحلية تستطيع إعادة تشكيل ميزان القوة، والتحالفات تتغير، والتكنولوجيا تتطور، بينما تتراجع هيمنة القوى الكبرى عندما تتجاوز حدود قدرتها أو تصبح تكلفة الحفاظ على وجودها أعلى من عائده.