الثلاثاء 08 سبتمبر 2026 الموافق 26 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

«ملفات حاسمة وتغيرات إقليمية».. «العلمين» تستضيف قمة مصرية يونانية قبرصية حول الأمن الإقليمي

الرئيس نيوز

لا تأتي القمة المصرية اليونانية القبرصية في العلمين، الثلاثاء، كاجتماع دوري بين ثلاث دول تربطها مصالح مشتركة في شرق المتوسط، بل تنعقد في لحظة تشهد فيها المنطقة إعادة رسم لخريطة التحالفات والترتيبات الأمنية، من اتفاق مكة الذي جمع تركيا والسعودية وباكستان، إلى التوترات المرتبطة بإيران وتركيا وليبيا، مرورا بملفات الطاقة والهجرة وأمن الممرات البحرية، وفقا لصحيفة جريك ريبورتر 

ويجتمع الرئيس عبدالفتاح السيسي، ونظيره القبرصي نيكوس كريستودوليدس، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في مدينة العلمين، لبحث التطورات الإقليمية وسبل تعميق التعاون بين الدول الثلاث. وتؤكد الرئاسة المصرية أن القمة تبحث مختلف جوانب التعاون الثلاثي، إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

لكن أهمية الاجتماع تتجاوز جدول أعماله المعلن، إذ تحاول القاهرة وأثينا ونيقوسيا قراءة التحولات المتسارعة حولها، وتحديد موقع الشراكة الثلاثية في بيئة أمنية باتت أكثر تعقيدا.

اتفاق مكة يغير الحسابات

يأتي اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته تركيا والسعودية وباكستان في مكة في 7 أغسطس في مقدمة التطورات التي تفرض نفسها على النقاشات، بعدما أصبح الاتفاق أحد المؤشرات على ظهور ترتيبات أمنية إقليمية جديدة بعيدا عن الصيغ التقليدية. وينص الاتفاق على اعتبار أي عدوان مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداء عليها جميعا، فيما بدأت الدول الثلاث بالفعل خطوات لتأسيس آليات مؤسسية للتعاون.

وتكتسب المسألة حساسية خاصة بالنسبة إلى اليونان وقبرص، في ظل علاقاتهما المعقدة مع تركيا، بينما بقيت مصر خارج الاتفاق رغم وجود اتصالات سابقة بشأنه. وتبحث أثينا ونيقوسيا، من خلال القمة، مدى تأثير هذا الترتيب الجديد في توازنات شرق المتوسط، وما إذا كان يمكن أن يغير طبيعة العلاقات بين القوى الإقليمية.

القاهرة بين أنقرة وأثينا ونيقوسيا

هنا تظهر خصوصية الموقف المصري. فالقاهرة تحافظ في الوقت نفسه على شراكتها الاستراتيجية مع اليونان وقبرص، بينما شهدت علاقاتها مع تركيا خلال السنوات الأخيرة تحسنا ملحوظا. وهذا التوازن يجعل مصر طرفا محوريا في أي محاولة لفهم الخريطة الجديدة للتحالفات. فالقاهرة لا تتحرك باعتبارها جزءا من محور مغلق، وإنما تحاول الاحتفاظ بهامش واسع للمناورة وعلاقات متوازنة مع القوى الإقليمية المختلفة.

وتشير تغطيات قبرصية إلى أن أثينا ونيقوسيا تتابعان عن كثب طبيعة التحول في العلاقات المصرية التركية، خصوصا في ظل خروج القاهرة من اتفاق مكة وعدم انضمامها إلى الترتيب الدفاعي الجديد.

الأمن والطاقة والهجرة

ولا تقتصر أجندة القمة على الحسابات العسكرية. فالأمن والطاقة والهجرة والتطورات في تركيا وإيران وليبيا تمثل جميعها ملفات مترابطة بالنسبة إلى الدول الثلاث. وتحتل الطاقة موقعا خاصا في هذه المعادلة، بعدما أصبحت منطقة شرق المتوسط أكثر أهمية بالنسبة إلى أمن الإمدادات الأوروبية، فيما تتقاطع مصالح مصر وقبرص واليونان في تطوير موارد الغاز وشبكات نقله وتسويقه.

كما يفرض موقع الدول الثلاث على طرق الملاحة في المتوسط والاقتراب من البحر الأحمر تحديات أمنية متزايدة، في وقت أصبحت فيه الاضطرابات الإقليمية قادرة على التأثير سريعا في التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.

تركيا تراقب المشهد

وتنعقد القمة أيضا في أجواء من التوتر بين اليونان وتركيا، بعد حادثة اعتراض مقاتلات يونانية لطائرتين تركيتين من طراز إف-16 عقب دخولهما منطقة معلومات الطيران التابعة لأثينا، وفقا للتقارير اليونانية.

وتزامن ذلك مع لهجة تركية أكثر تشددا، إذ حذر الرئيس رجب طيب أردوغان من أن بلاده لن تبقى مكتوفة الأيدي أمام ما تعتبره تحركات معادية. وبذلك تصبح القمة الثلاثية، حتى من دون أن تكون موجهة رسميا ضد أي طرف، جزءا من حسابات أوسع تتعلق بموازين القوى في شرق المتوسط.

إسرائيل حاضرة في الخلفية

ولا ينفصل المشهد عن إسرائيل أيضا. فالقمة تنعقد بالتزامن مع تحركات إسرائيلية وقبرصية متزايدة، بينما يستعد الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوج لزيارة نيقوسيا لإجراء محادثات مع كريستودوليدس.

وتضيف هذه التحركات بعدا آخر إلى المشهد، خصوصا مع توسع التعاون الدفاعي والطاقة بين إسرائيل واليونان خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يجعل شرق المتوسط ساحة تتقاطع فيها شبكات متعددة من الشراكات الأمنية والاقتصادية.

شراكة تتجاوز حدود القمة

منذ إطلاق آلية التعاون الثلاثي، تحولت العلاقة بين مصر واليونان وقبرص تدريجيا من إطار للتنسيق السياسي والاقتصادي إلى منصة أوسع لتبادل الرؤى بشأن الأمن والطاقة والاستقرار الإقليمي.

والتحدي الحالي أمام الدول الثلاث هو تحديد ما إذا كانت هذه الآلية قادرة على مواكبة التحولات الجديدة، خصوصا مع ظهور ترتيبات دفاعية إقليمية جديدة، وتزايد الضغوط الأمنية في شرق المتوسط، واستمرار التوترات المرتبطة بإيران وتركيا وليبيا.

لذلك، فإن قمة العلمين لا تختبر فقط مستوى التعاون بين القاهرة وأثينا ونيقوسيا، بل تختبر أيضا قدرة هذا التكتل الثلاثي على الحفاظ على موقعه في منطقة تتغير قواعدها بسرعة.

ففي الوقت الذي تتشكل فيه تحالفات جديدة حول تركيا والسعودية وباكستان، وتعيد اليونان توسيع شراكاتها الدفاعية، وتتحرك قبرص لتعزيز موقعها داخل المنظومة الأوروبية والإقليمية، تبدو مصر أمام فرصة للحفاظ على دورها كحلقة وصل بين شرق المتوسط والعالم العربي، من دون التخلي عن قدرتها على التواصل مع مختلف أطراف المعادلة.