الثلاثاء 01 سبتمبر 2026 الموافق 19 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

زيارة شي جين بينج لمصر.. لماذا تراهن بكين على القاهرة في الشرق الأوسط؟

الرئيس السيسي ونظيره
الرئيس السيسي ونظيره الصيني

تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر في توقيت تشهد فيه العلاقات بين بكين والقاهرة توسعًا متزايدًا على المستويات الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، بالتزامن مع رغبة البلدين في تعزيز التنسيق بشأن الأزمات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط والقارة الأفريقية.

وذكرت صحيفة «ساوث تشاينا مورنينج بوست» الصينية أن الزيارة، التي تمتد من 30 أغسطس إلى 3 سبتمبر، تأتي بعد مشاركة شي جين بينج في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك عاصمة قيرغيزستان، كما تعد أول زيارة له إلى مصر منذ يناير 2016.

وخلال زيارته السابقة إلى القاهرة، ألقى الرئيس الصيني كلمة أمام جامعة الدول العربية، وشهد توقيع عدد من الاتفاقيات المتعلقة بالبنية التحتية والطاقة والتمويل والتنمية الصناعية، وهو ما وضع أساسًا لمراحل جديدة من التعاون بين البلدين.

العلاقات المصرية الصينية في أفضل حالاتها

وصفت وزارة الخارجية الصينية العلاقات بين مصر والصين بأنها «في أفضل حالاتها في التاريخ»، مؤكدة أن زيارة الرئيس شي جين بينج تستهدف البناء على ما تحقق خلال السنوات الماضية، ووضع اتجاهات جديدة لمسار العلاقات المستقبلية.

وتتزامن الزيارة مع الاحتفال بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، وهو ما يمنح الزيارة أهمية سياسية واستراتيجية إضافية، في ظل التطور الملحوظ الذي شهدته العلاقات الثنائية خلال العقود الماضية.

وفي المقابل، تعكس الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين عمق العلاقات، حيث زار الرئيس عبد الفتاح السيسي الصين ثماني مرات منذ توليه السلطة عام 2014، وكانت آخر زيارة له في مايو 2024.

ويشير ذلك إلى تنامي مستوى التنسيق السياسي بين القاهرة وبكين، خاصة مع توسع نطاق التعاون ليشمل ملفات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والبنية التحتية، إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

الصين تسعى لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط

ويرى محللون أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تمنح بكين فرصة لتعزيز صورتها كفاعل دولي قادر على التحرك بصورة أكثر توازنًا في ملفات الشرق الأوسط، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

وتسعى الصين خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع حضورها السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط، بالتزامن مع تراجع مستوى الثقة لدى بعض دول المنطقة في السياسات الغربية، وما ترتب على الأزمات والحروب الأخيرة من تغيرات في موازين النفوذ الدولي.

وفي هذا السياق، أوضح جون كالابريز، الباحث الأول في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، أن زيارة شي جين بينج تمثل فرصة أمام الصين لإظهار طبيعة شراكتها طويلة الأمد مع دولة عربية وأفريقية رئيسية مثل مصر.

وفي الوقت نفسه، تمنح الزيارة القاهرة مساحة للتأكيد على استقلالية قراراتها الخارجية، وقدرتها على بناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية المختلفة، بعيدًا عن حصر شراكاتها في اتجاه واحد.

20.8 مليار دولار حجم التبادل التجاري بين مصر والصين

ويمثل الجانب الاقتصادي أحد أبرز محاور العلاقات المصرية الصينية، حيث تشير التقديرات إلى وصول حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 20.8 مليار دولار خلال عام 2025.

وتستهدف القاهرة زيادة حجم التبادل التجاري مع بكين ليتجاوز 25 مليار دولار بنهاية العام الجاري، بالتوازي مع استمرار المناقشات المتعلقة بتحويل بعض الديون إلى استثمارات، بما يمكن أن يفتح مجالات جديدة للتعاون الاقتصادي بين البلدين.

وتأتي هذه التحركات في ظل تحديات اقتصادية تواجهها مصر، من بينها ارتفاع أعباء الدين الخارجي وتكلفة التمويل بالدولار، إلى جانب تراجع إيرادات قناة السويس، واستمرار تداعيات التوترات الأمنية في المنطقة، خاصة الحرب في غزة والتطورات المرتبطة بالملف الإيراني.

كما تواجه مصر تحديات في قطاع الطاقة ومعدلات بطالة مرتفعة، الأمر الذي يجعل جذب الاستثمارات الأجنبية وزيادة التدفقات المالية وتوسيع الشراكات الاقتصادية الدولية من الملفات الرئيسية على أجندة الدولة.

منطقة قناة السويس محور رئيسي للشراكة مع الصين

وتحتل مصر موقعًا استراتيجيًا مهمًا في الحسابات الصينية، نظرًا لموقعها الجغرافي الذي يربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا، إلى جانب سيطرتها على أحد أهم الممرات التجارية العالمية ممثلًا في قناة السويس.

وتنظر بكين إلى مصر باعتبارها بوابة رئيسية إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما انعكس في حجم المشروعات الصينية الموجودة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

وتبرز منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري الصينية المصرية «تيدا» باعتبارها واحدة من أهم نماذج التعاون الصناعي بين البلدين، حيث تستفيد الشركات الصينية من الموقع الجغرافي للموانئ والأراضي المصرية لإقامة مشروعات إنتاجية يمكن أن تخدم السوق المحلية والأسواق الإقليمية.

وتتيح هذه المشروعات للشركات الصينية استخدام مصر كقاعدة للتصنيع والتصدير إلى عدد من الأسواق في أفريقيا والشرق الأوسط، بما يعزز أهمية المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في الاستراتيجية الاستثمارية الصينية.

كما استفادت مصر، منذ الأول من مايو الماضي، من مبادرة صينية تتضمن إعفاءً جمركيًا كاملًا بنسبة 100% على واردات الدول الأفريقية التي تربطها علاقات دبلوماسية مع الصين، وهو ما يمكن أن يعزز فرص مصر في الاستفادة من موقعها كبوابة تجارية إلى القارة الأفريقية.

التعاون الاقتصادي يتجاوز الاستثمارات التقليدية

ولا تقتصر الشراكة بين مصر والصين على الاستثمارات المباشرة والتبادل التجاري، وإنما تمتد إلى مجالات البنية التحتية ونقل التكنولوجيا والتصنيع والطاقة.

وتوفر الصين لمصر فرصًا للاستفادة من خبراتها الصناعية والتكنولوجية، إلى جانب تنفيذ مشروعات طويلة الأجل في قطاعات متعددة، وهو ما ينسجم مع توجه القاهرة نحو توطين الصناعة وزيادة المكون المحلي وتعزيز الإنتاج.

كما يمثل التعاون مع بكين فرصة لتوسيع قاعدة الأسواق التي يمكن للمنتجات المصنعة في مصر الوصول إليها، خاصة في ظل الموقع الجغرافي للدولة واتفاقيات التجارة التي تربطها بعدد من الأسواق الإقليمية.

وتسعى القاهرة من خلال هذه الشراكات إلى تحقيق أكبر استفادة ممكنة من الاستثمارات الأجنبية، بحيث لا تقتصر نتائجها على ضخ رؤوس الأموال، وإنما تمتد إلى نقل التكنولوجيا وتوفير فرص العمل وتطوير القدرات الصناعية المحلية.

مصر تبحث عن توازن استراتيجي بين القوى الكبرى

ويرى الباحث آينار تانجن، وفقًا لما أوردته الصحيفة الصينية، أن تطور العلاقات بين مصر والصين لا يعني أن القاهرة تتجه إلى استبدال الولايات المتحدة بالصين، وإنما يعكس رغبة مصرية في تحقيق توازن استراتيجي بين علاقاتها الدولية.

ويشمل هذا التوازن الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية، مع الاستفادة من الإمكانات التي توفرها كل قوة دولية وفقًا للمصالح المصرية.

وتتميز الشراكة مع الصين بقدرتها على توفير استثمارات صناعية طويلة الأجل، والمشاركة في مشروعات البنية التحتية، ونقل التكنولوجيا، إلى جانب أشكال مختلفة من التمويل والوصول إلى السوق الصينية.

وتسعى مصر في الوقت نفسه إلى الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الخليج وشركائها الدوليين، بما يسمح لها بتنويع مصادر الاستثمار والتعاون وعدم الاعتماد على طرف دولي واحد.

زيارة شي جين بينج تعكس تحولات العلاقات الدولية

وتكتسب زيارة الرئيس الصيني إلى مصر أهمية تتجاوز الملفات الاقتصادية المباشرة، إذ تأتي في ظل إعادة تشكيل خريطة التحالفات والشراكات الدولية، وتزايد اهتمام القوى الكبرى بمصر باعتبارها دولة محورية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

وتجمع القاهرة وبكين مصالح مشتركة في العديد من الملفات، بداية من التجارة والاستثمار والطاقة، مرورًا بالبنية التحتية والتصنيع، وصولًا إلى القضايا الإقليمية والدولية.

ومن المتوقع أن تسهم الزيارة في دفع التعاون بين البلدين نحو مراحل أكثر تقدمًا، خاصة مع وجود رغبة مشتركة في زيادة الاستثمارات وتوسيع حجم التبادل التجاري وتعزيز التعاون في المجالات الصناعية والتكنولوجية.

كما يمكن أن تمثل الزيارة فرصة لمصر للاستفادة من المنافسة الدولية على إقامة شراكات اقتصادية معها، وتحويل موقعها الجغرافي ودورها الإقليمي إلى عناصر قوة تدعم قدرتها على جذب الاستثمارات.

وتبدو العلاقات المصرية الصينية أمام مرحلة جديدة تقوم على توسيع الشراكة وتنويع مجالات التعاون، مع احتفاظ القاهرة بسياسة تقوم على تحقيق التوازن بين القوى الدولية والاستفادة من الفرص التي توفرها كل شراكة بما يخدم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.