الخميس 27 أغسطس 2026 الموافق 14 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

هدنة عسكرية مؤقتة أم تغيير في الاستراتيجية؟ واشنطن تنقل معركتها مع إيران إلى الاقتصاد

الرئيس نيوز

كشف موقع أكسيوس أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أبلغ نظراءه من وزراء خارجية عدة دول حليفة أن واشنطن تعتزم تنحية الضربات العسكرية ضد إيران جانبًا "في الوقت الراهن"، مقابل التركيز على أدوات ضغط أخرى أبرزها حملة العقوبات الاقتصادية التي تقودها وزارة الخزانة. مسؤولون أمريكيون أكدوا للشبكة أن هذا التوجه سيبقى قائمًا على الأقل حتى ما بعد الانتخابات النصفية، على أن تعود الخيارات العسكرية إلى الطاولة بعدها إذا اقتضت الحاجة.

وفي الوقت ذاته، لم يستبعد روبيو عودة الضربات إذا بادرت إيران بالهجوم أولًا، فيما أكد وزير الدفاع بيت هيغسيث في تصريحات لاحقة أن الإدارة لا تستبعد كليًا اللجوء إلى ضربات حركية في مضيق هرمز أو حوله، رغم الإعلان عن العقوبات الجديدة.

إعادة فتح السفارات وتفكيك الألغام في هرمز

ترافق هذا التحول مع خطوات ميدانية لافتة؛ إذ أعلن الرئيس الأمريكي أن القوات البحرية الأمريكية أزالت الألغام البحرية من مضيق هرمز لتسهيل تدفق النفط عبر الممر الحيوي، بينما أعادت الخارجية الأمريكية دبلوماسييها إلى السفارات في دول شرق أوسطية كانت قد تعرضت لنيران إيرانية، من بينها إسرائيل والسعودية وقطر والأردن وعُمان والعراق والكويت، إضافة إلى لبنان.

أسواق النفط: تراجع في الأسعار وسط غموض بشأن حجم التدفقات

انعكس هذا التحول مباشرة على أسواق الطاقة العالمية؛ فقد تراجعت أسعار النفط مع إطلاق واشنطن خطة عقوباتها الشاملة ضد إيران، إذ فقد الخام جزءًا من تسعيرة المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالتصعيد العسكري، وسط توقعات برد إيراني على العقوبات الجديدة. غير أن هذا التقدير جاء رغم استمرار طهران، التي توعّدت بالرد، في استهداف ناقلات نفطية داخل مضيق هرمز، ما يعكس تناقضًا بين التهدئة السياسية المعلنة واستمرار الاحتكاك الميداني.

ويتوقع بنك "كومنولث أستراليا" أن يتداول خام برنت في نطاق ٧٠ و١٠٠ دولار للبرميل خلال النصف الثاني من عام ٢٠٢٦، مع احتمال هبوط الأسعار نحو الحد الأدنى من هذا النطاق إذا تعافت تدفقات النفط عبر المضيق ولو جزئيًا، إذ تُقدَّر نسبة ٥٠ إلى ٦٠ بالمئة من كميات ما قبل الحرب كافية لإحياء توقعات فائض في المعروض العالمي.

ومع ذلك، لا يزال الغموض يكتنف حجم التدفقات الفعلية؛ فحركة العبور اليومية للسفن التجارية القابلة للتتبع عبر الأقمار الصناعية بقيت في حدود آحاد رقمية، بينما قدّرت شركات تتبع الشحن أن إجمالي التدفقات -بما فيها الرحلات غير المعلنة وعمليات النقل بين السفن- بلغ نحو ٥ ملايين برميل يوميًا فقط.

أسواق الأسهم: هدوء نسبي وسط عوامل ضغط متعددة

أما أسواق الأسهم الأمريكية فأصدرت ردة فعل هادئة نسبيًا؛ إذ سجل مؤشر "ستاندرد آند بورز ٥٠٠" تراجعًا طفيفًا بنسبة ٠.٢٤ بالمئة، وهبط مؤشر "ناسداك" بنسبة ٠.٥٥ بالمئة، بينما ارتفع مؤشر "داو جونز" الصناعي بنسبة ٠.٢٥ بالمئة، وقفز مؤشر "راسل ٢٠٠٠" للشركات الصغيرة بنسبة ٠.٨٥ بالمئة. تجدر الإشارة إلى أن هذا التذبذب المحدود لم يكن مرتبطًا حصريًا بملف إيران، إذ تزامن مع مخاوف مستثمرين إضافية متعلقة بتصعيد تجاري بين واشنطن وأوتاوا، ما يجعل من الصعب عزل أثر تصريحات روبيو بمفرده عن حركة المؤشرات في تلك الجلسة.

طهران تتصدى للعقوبات بينما الريال ينهار

من جانبها، لم تبادر إيران بإبداء أي مرونة تجاه التصعيد الاقتصادي؛ إذ أعلن وزير الاقتصاد الإيراني علي مدنی‌زاده أن طهران "مستعدة تمامًا" لمواجهة العقوبات، بينما استخف كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف بالتهديدات الأمريكية. ومع ذلك، فإن المؤشرات الاقتصادية الداخلية تروي قصة مختلفة.

سجلت العملة الإيرانية أدنى مستوى لها في التاريخ أمام الدولار عند مليوني ريال، فيما وصفها الرئيس الأمريكي بأنها "منهارة"، في وقت شهدت طهران طوابير طويلة على محطات الوقود ونقصًا مؤقتًا في الإمدادات تُعزى جزئيًا إلى الضربات الأمريكية السابقة على منشآت تخزين النفط والحصار البحري.

وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد أطلق ما وصفه بـ"عملية النبذ الاقتصادي"، ووصفه الرئيس الأمريكي بأنه "دي داي اقتصادي"، مهددًا بطرد أي كيانات تساعد إيران على غسل الأموال من النظام المالي الأمريكي، ومستهدفًا تحديدًا فروع بنك "ملّي" الإيراني.

مقايضة محسوبة زمنيًا وليس تراجعا استراتيجيا

رجح خبراء مؤسسة سيتي جروب المالية أن التحول من الضربات العسكرية إلى العقوبات ليس تراجعًا استراتيجيًا بقدر ما هو مقايضة محسوبة زمنيًا، تهدف إلى تجنيب الإدارة الأمريكية أي مخاطرة عسكرية جديدة قبيل استحقاق انتخابي بالغ الحساسية، مع إبقاء الضغط الاقتصادي على طهران في أعلى مستوياته.

أما الأسواق، فمن جانبها، تعاملت مع الخبر بحذر أكثر من الحماس، وسط عوامل ضغط أخرى متزامنة، مدركة أن الخيار العسكري لم يُستبعد نهائيًا بل أُجّل فقط ريثما تتضح نتائج الانتخابات النصفية.