عام بلا إجابات.. ماذا حدث لمريم أبو دقة في هجوم مستشفى ناصر
قبل عام، لم تكن مريم أبو دقة تبحث عن مأوى جديد بقدر ما كانت تحاول العثور على مكان يمكنها أن تواصل منه عملها. كانت الصحفية الفلسطينية، البالغة 33 عاما، تعمل لصالح صحيفة "الإندبندنت" ووكالة "أسوشيتد برس"، وتعيش في ظروف الحرب نفسها التي كانت توثقها يوميا، وفقا لتحقيق استقصائي نشرته الصحيفة البريطانية الشهيرة.
وفي صباح 25 أغسطس 2025، انتهت قصتها داخل مستشفى ناصر في خان يونس، في هجوم إسرائيلي مزدوج قتل 22 شخصا، بينهم خمسة صحفيين ومسعفون وعاملون في الإنقاذ. وبعد عام، لا تزال الأسئلة الأساسية حول ما حدث بلا إجابات حاسمة.
صباح عادي في مكان لم يعد عاديا
في التاسعة والنصف صباحا، كانت مريم تجلس مع صديقتها وزميلتها براء لافي في مكان إقامتهما قرب المستشفى. تحدثتا عن العمل، وعن تقرير أنجزتاه حول الاكتظاظ في مستشفى ناصر، بينما كانت القهوة شحيحة والقصف المحيط بالمنطقة لا يتوقف. لم تكن مريم تعيش فقط تحت خطر القصف؛ كانت تحمل أيضا قلقا شخصيا ثقيلا. ابنها غيث، البالغ 14 عاما، كان خارج غزة، بينما فقدت والدتها عام 2024 وسط الحرب والمرض، وكان والدها يعاني من مشكلات صحية بعدما تبرعت له مريم بإحدى كليتيها.
وقبل أيام من مقتلها، تركت مريم رسالة صوتية لمحررها هادي الطرفي، تحدثت فيها عن احتمال اضطرارها إلى النزوح للمرة الرابعة. لم تكن تعرف إلى أين يمكن أن تذهب. وفي خضم ذلك، كانت قد كتبت وصية لابنها وسلمتها إلى براء، في إشارة يصعب تجاهلها إلى مقدار إدراكها للخطر الذي يحيط بها.
المستشفى يتحول إلى غرفة أخبار
في ذلك الصباح، لم يكن مستشفى ناصر مجرد منشأة طبية. كان واحدا من آخر المواقع التي يستطيع الصحفيون من خلالها إرسال صور مباشرة من جنوب غزة إلى العالم. وكانت وكالة "رويترز" و"أسوشيتد برس" تستخدمان معدات للبث من الموقع، بينما اعتاد الصحفيون التجمع عند درج خارجي للحصول على إشارة هاتفية وإجراء المداخلات المباشرة.
وفي التاسعة و45 دقيقة، أصابت قذيفة منطقة في المستشفى، بينما أصابت أخرى الدرج الخارجي الذي كان الصحفيون يستخدمونه. قتل حسام المصري في الهجوم الأول، وبدأ الصحفيون والمسعفون وعمال الدفاع المدني في الوصول إلى المكان لإسعاف المصابين وتوثيق ما حدث. ثم جاءت الضربة التي غيرت كل شيء
بين الضربة الأولى والثانية مرت دقائق. وخلال هذه الفترة أصبح المكان أكثر ازدحاما بالصحفيين والمسعفين والمنقذين. كانت عملية الإنقاذ قد بدأت بالفعل، وكانت الكاميرات تعمل، فيما تحرك عشرات الأشخاص حول موقع القصف.
وعند نحو الساعة 10:17 صباحا، وقع الهجوم الثاني. وتقول وكالة "أسوشيتد برس" إن الضربات اللاحقة قتلت معظم الضحايا، بينما أطلقت جهات عدة على النمط المستخدم وصف "الضربة المزدوجة"، نظرا إلى استهداف الموقع مرة أخرى بعد وصول المسعفين والصحفيين. وتظهر الروايات والشهادات أن مريم كانت من بين من صعدوا إلى الدرج بعد الضربة الأولى للمساعدة والتغطية.
انهارت أجزاء من الدرج، وتناثرت شظايا الخرسانة والمعدن والأخشاب والأشلاء، بينما أصيب آخرون كانوا قد وصلوا للمساعدة. وفي الفوضى التي أعقبت الانفجار، كانت مريم ملقاة بين القتلى. وبعد وقت قصير، تعرف زملاؤها إليها. وكانت الصحفية التي أمضت الحرب في محاولة نقل ما يحدث في غزة قد تحولت نفسها إلى خبر عاجل.
الكاميرا محور القضية
بعد الهجوم، قالت إسرائيل إن الهدف كان كاميرا تابعة لـ"حماس" كانت تستخدم لمراقبة القوات الإسرائيلية، وربطت لاحقا بعض القتلى بالحركة. لكن تحقيقات لاحقة أثارت أسئلة جوهرية حول هذه الرواية. فقد خلصت "أسوشيتد برس" إلى عدم وجود دليل ملموس يثبت أن الكاميرا المستهدفة كانت تابعة لـ"حماس"، بينما قال جندي إسرائيلي تحدث للوكالة إن الجيش لم يتمكن من العثور على دليل يربط الكاميرا بالحركة.
كما أفادت "رويترز" و"أسوشيتد برس" بأن الصحفيين كان معروفا وجودهم في المستشفى، وأن المؤسسة الطبية كانت موقعا مهما للبث الإخباري. وفي الذكرى الأولى للهجوم، قالت الوكالتان إن المعلومات التي قدمتها السلطات الإسرائيلية حتى الآن لم تكن كافية لتفسير ما حدث أو تحديد المسؤولية عنه.
لماذا تثير الضربة شبهة جريمة حرب؟
القضية لا تتعلق فقط بمقتل مريم أو الصحفيين الأربعة الآخرين، وإنما بطبيعة الهجوم وتوقيته والهدف الذي قيل إنه كان وراءه. فالقانون الدولي الإنساني يوفر حماية خاصة للمنشآت الطبية والعاملين فيها، كما يحظر استهداف المدنيين والصحفيين ما لم يفقدوا حمايتهم القانونية بسبب مشاركتهم المباشرة في الأعمال العدائية.
ولا يعني ذلك أن وصف الهجوم بأنه جريمة حرب قد حُسم قانونيا؛ فهذا يتطلب تحقيقا مستقلا قادرا على تحديد الهدف العسكري، وما إذا كان المهاجمون يعرفون طبيعة الموقع والأشخاص الموجودين فيه، وما إذا كانت القوة المستخدمة متناسبة مع الهدف، وما إذا كانت الضربة الثانية قد استهدفت عمدا أشخاصا كانوا يحاولون إنقاذ المصابين.
عام كامل بلا إجابة
بعد مرور عام، لم يحصل ذوو الضحايا ولا المؤسسات الصحفية على تفسير كامل لتسلسل القرارات التي أدت إلى الهجوم. وقالت "أسوشيتد برس" إن جيش الاحتلال الإسرائيلي لم يقدم تفاصيل التحقيق أو جدولا زمنيا لإنجازه، بينما جددت "رويترز" و"أسوشيتد برس" مطالبتهما بتحقيق كامل وشفاف. كما دعا متحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة إلى المساءلة عن مقتل المدنيين والصحفيين.
وكانت مريم تعرف أن الكاميرا قد تجعل صاحبها هدفا، ومع ذلك واصلت العمل. وبعد عام، بقيت صورها وتقاريرها شاهدة على المكان الذي كانت تحاول وصفه للعالم.