الإثنين 24 أغسطس 2026 الموافق 11 ربيع الأول 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

93 دولارًا ليست نهاية الصعود.. كيف يمكن لعقوبات ترامب وأزمة هرمز دفع النفط نحو 100 دولار؟

تعبيرية
تعبيرية

شهدت أسواق النفط العالمية بداية متقلبة لتعاملات اليوم الإثنين 24 أغسطس 2026، بعدما تراجع سعر خام برنت بنحو 1.38% إلى قرابة 93 دولارًا للبرميل، في حركة عكست لجوء المستثمرين إلى جني الأرباح بعد موجة صعود قوية خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع ترقب تفاصيل حملة العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران. 

ويبدو التراجع الحالي للوهلة الأولى متناقضًا مع المشهد الجيوسياسي شديد التوتر، خصوصًا أن الأسواق تواجه احتمالات جديدة لتقييد صادرات النفط الإيرانية، فضلًا عن استمرار اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، لكن قراءة حركة الأسعار تكشف أن الأسواق لا تسعر الخطر الحالي فقط، وإنما تحاول أيضًا استباق ما إذا كانت العقوبات ستؤدي فعلًا إلى خفض الإمدادات أم ستبقى في إطار الضغط السياسي والمالي.

جني الأرباح يوقف موجة صعود النفط

حقق خام برنت مكاسب تجاوزت 5% خلال الأسبوع الماضي، مدفوعًا بتعثر المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران والمخاوف المتزايدة بشأن إمدادات النفط من منطقة الخليج. لذلك كان من الطبيعي أن يلجأ جزء من المستثمرين إلى تأمين الأرباح مع اقتراب إعلان أمريكي جديد بشأن العقوبات. 

وهنا تظهر إحدى القواعد الأساسية في أسواق السلع: ارتفاع المخاطر لا يعني بالضرورة ارتفاع الأسعار بصورة متواصلة، إذ يمكن أن يدفع صعود النفط الحاد خلال فترة قصيرة المتعاملين إلى البيع لجني الأرباح، حتى مع استمرار العوامل الجيوسياسية التي تدعم الأسعار.

وبالتالي، فإن انخفاض برنت إلى نطاق 93 دولارًا لا يعني أن المخاوف بشأن المعروض النفطي قد اختفت، وإنما يعكس توازنًا مؤقتًا بين عاملين متعارضين؛ أولهما احتمالات تشديد العقوبات وتراجع الإمدادات، والثاني رغبة المستثمرين في جني أرباح الصعود الأخير.

عقوبات واشنطن تضع النفط الإيراني أمام اختبار جديد

يترقب المستثمرون تفاصيل الإجراءات الأمريكية الجديدة التي هدد بها وزير الخزانة سكوت بيسنت، والتي وصفها بأنها من أشد العقوبات التي يمكن أن تفرضها واشنطن على إيران. ومن المتوقع أن تستهدف الإجراءات قدرة طهران على بيع النفط والوصول إلى القنوات المالية والتجارية التي تساعدها على تصدير الخام. 

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن النفط يمثل أحد أهم مصادر الدخل بالنسبة إلى الاقتصاد الإيراني، وبالتالي فإن تضييق الخناق على الصادرات يمكن أن يضغط على إيرادات الدولة ويحد من قدرتها على تمويل الاقتصاد والإنفاق الحكومي.

لكن تأثير العقوبات على أسعار النفط لن يكون مباشرًا بالضرورة. فإذا نجحت واشنطن في خفض الصادرات الإيرانية دون حدوث تصعيد عسكري جديد، فقد ترتفع علاوة المخاطر تدريجيًا. أما إذا أدت الإجراءات إلى رد إيراني يؤثر على الملاحة في الخليج، فإن التأثير على الأسعار قد يصبح أكثر حدة وسرعة.

مضيق هرمز.. نقطة الخطر الأكبر

يبقى مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في معادلة سوق النفط الحالية، بعدما تراجعت حركة السفن عبره بصورة كبيرة مقارنة بالمستويات الطبيعية. ويكتسب المضيق أهمية استثنائية لأنه يمثل أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط والطاقة العالمية. 

وتشير التطورات الحالية إلى أن الأسواق تراقب ليس فقط حجم النفط الإيراني الذي يمكن أن يخرج من الأسواق، وإنما أيضًا قدرة بقية المنتجين في الخليج على مواصلة تصدير الخام بصورة طبيعية.

وهذه نقطة فارقة؛ لأن فقدان جزء من الصادرات الإيرانية يمكن تعويضه جزئيًا من مصادر أخرى، لكن تعطيل حركة الملاحة عبر هرمز لفترة طويلة سيكون أكثر تعقيدًا، وقد يؤدي إلى صدمة أوسع في أسواق الطاقة.

ولهذا فإن كل تهديد بإغلاق المضيق أو تقييد حركة السفن يرفع درجة المخاطر التي تضعها الأسواق في حساباتها، حتى إذا لم يتحول التهديد إلى إغلاق كامل.

لماذا لم يقفز النفط رغم المخاطر؟

السؤال الأبرز حاليًا هو: إذا كانت العقوبات الأمريكية الجديدة قد تؤدي إلى تقليص الإمدادات، فلماذا تراجع برنت بدلًا من مواصلة الصعود؟

الإجابة ترتبط بعدة عوامل. أولها أن جزءًا من المخاطر الجيوسياسية أصبح محسوبًا بالفعل داخل الأسعار بعد الارتفاع القوي خلال الأسبوع السابق، وثانيها أن المستثمرين لا يعرفون حتى الآن حجم التأثير الفعلي للعقوبات الجديدة على صادرات النفط الإيرانية.

كما أن الأسواق تراقب قدرة الدول المنتجة الأخرى والمخزونات العالمية على امتصاص أي نقص مؤقت، فضلًا عن مستويات الطلب العالمي على النفط.

وتشير تحليلات السوق إلى أن انخفاض الطلب، خصوصًا في بعض الاقتصادات الكبرى، يمكن أن يخفف من أثر اضطرابات الإمدادات على الأسعار، بينما قد يؤدي استمرار انخفاض المخزونات إلى عكس المعادلة إذا طال أمد الأزمة. 

تمثل الصين أحد أهم الاختبارات أمام استراتيجية الضغط الأمريكية، باعتبارها من أبرز المشترين للنفط الإيراني. ولذلك فإن نجاح العقوبات لن يعتمد فقط على قرارات واشنطن، وإنما أيضًا على قدرة الولايات المتحدة على التأثير في الشركات والدول التي تواصل التعامل مع طهران.

وهنا تصبح العقوبات الثانوية أداة شديدة الحساسية؛ لأنها قد تستهدف أطرافًا خارج إيران إذا واصلت شراء النفط أو تسهيل عمليات التجارة معها.

لكن توسيع نطاق العقوبات ليشمل شركاء اقتصاديين كبارًا قد يفتح في المقابل مواجهة تجارية وسياسية أوسع، وهو ما يجعل واشنطن أمام معادلة دقيقة بين تشديد الضغط على إيران وتجنب إحداث صدمات إضافية في الاقتصاد العالمي.

في المقابل، ترفض طهران الضغوط الأمريكية وتؤكد قدرتها على التعامل مع العقوبات، مستندة إلى خبرة طويلة في الالتفاف على القيود الاقتصادية والحفاظ على علاقات تجارية مع شركاء دوليين.

لكن استمرار الضغط على صادرات النفط قد يفرض تكلفة متزايدة على الاقتصاد الإيراني، خصوصًا إذا تزامن مع صعوبة الوصول إلى العملات الأجنبية وتراجع الإيرادات النفطية.

وفي الوقت نفسه، تمتلك إيران أوراقًا يمكن أن تستخدمها للرد، وعلى رأسها التأثير في حركة الملاحة والطاقة في الخليج. وقد صدرت بالفعل تهديدات إيرانية تربط بين استمرار ما تصفه طهران بالحرب الاقتصادية وبين احتمالات اتخاذ إجراءات ضد صادرات النفط في المنطقة، وهنا تتحول العقوبات من أداة اقتصادية إلى عامل جيوسياسي قد يزيد مخاطر التصعيد بدلًا من احتوائها.

هل يتجه برنت إلى 100 دولار؟

رغم التراجع الحالي، لا يمكن استبعاد عودة أسعار النفط إلى الارتفاع إذا اتسعت اضطرابات الإمدادات أو تراجعت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لفترة أطول.

وتشير تحليلات حديثة إلى أن خام برنت قد يجد دعمًا قويًا بالقرب من المستويات الحالية إذا استمرت المخزونات في الانخفاض، بينما يمكن أن تدفع أي مواجهة جديدة أو تعطيل طويل الأمد للإمدادات الأسعار إلى تجاوز حاجز 100 دولار للبرميل. 

لكن الوصول إلى هذا المستوى ليس سيناريو حتميًا؛ إذ يمكن لنجاح المساعي الدبلوماسية، أو تحسن حركة الملاحة، أو زيادة الإمدادات من مصادر أخرى، أو ضعف الطلب العالمي أن يعيد النفط إلى مستويات أقل.

وتكشف حركة النفط الحالية أن المعركة الأمريكية الإيرانية لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت معركة اقتصادية ومالية ولوجستية تمتد آثارها إلى الأسواق العالمية.

كما أن واشنطن تحاول خنق مصادر دخل طهران ودفعها إلى تقديم تنازلات، بينما تراهن إيران على قدرتها على الصمود واستخدام أوراقها الإقليمية لإجبار خصومها على إعادة حساباتهم.

أما سوق النفط، فهو الطرف الذي يترجم هذه المواجهة إلى أرقام يومية. فقد ينخفض البرميل اليوم بسبب جني الأرباح، لكنه قد يرتفع غدًا إذا ظهرت إشارة جديدة إلى نقص الإمدادات.

ولهذا فإن مستوى 93 دولارًا لا يمثل بالضرورة نهاية موجة الصعود، كما أن التراجع الحالي لا يعني انتهاء أزمة الطاقة. فالسوق يقف بين سيناريو التهدئة وسيناريو التصعيد، وسيكون مسار العقوبات الأمريكية الجديدة وحركة الملاحة في مضيق هرمز العاملين الأكثر تأثيرًا في تحديد الاتجاه المقبل.