«الجنيه والتضخم».. «المركزي» يكشف حجم انتقال صدمات سعر الصرف إلى الأسعار| عاجل
في الوقت الذي تترقب فيه الأسواق قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي بشأن أسعار الفائدة، كشف البنك المركزي المصري عن دراسة جديدة ترصد واحدة من أكثر العلاقات تأثيرًا في الاقتصاد المصري، وهي العلاقة بين تحركات سعر صرف الجنيه ومعدلات التضخم، وحجم انتقال أي تغير في قيمة العملة المحلية إلى أسعار السلع والخدمات.
وجاءت الدراسة ضمن تقرير السياسة النقدية للربع الثاني من عام 2026، الذي أصدره البنك المركزي في إطار الدراسات التي ينشرها لتفسير تطورات التضخم وتقييم أدوات السياسة النقدية وآليات انتقالها إلى الاقتصاد.
كل انخفاض 1% في قيمة الجنيه يضيف 0.18 نقطة مئوية للتضخم
وتوصلت الدراسة إلى أن انخفاض قيمة الجنيه بنسبة 1% يرتبط بزيادة في معدل التضخم العام بنحو 0.18 نقطة مئوية في المتوسط، وهو ما يعكس أهمية سعر الصرف باعتباره أحد القنوات الرئيسية التي تنتقل من خلالها الصدمات الخارجية إلى الأسعار المحلية.
وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد المصري، بالنظر إلى ارتفاع نسبة المكونات المستوردة في عدد من السلع والمنتجات ومدخلات الإنتاج، بما يجعل أي تغير في تكلفة الاستيراد قابلًا للانتقال تدريجيًا إلى أسعار المنتجين والمستهلكين.
لكن البنك المركزي لا ينظر إلى العلاقة بين سعر الصرف والتضخم باعتبارها علاقة آلية وفورية؛ فانتقال أثر تغيرات العملة إلى الأسعار يعتمد على عدد من العوامل، من بينها حجم التغير في سعر الصرف، وطبيعة الصدمة، وتوقعات التضخم، وحالة الطلب المحلي، ومدى قدرة الشركات على استيعاب ارتفاع تكاليف المدخلات قبل تمريرها إلى المستهلك النهائي.
ومن أبرز ما تكشف عنه الدراسة أن حساسية التضخم لتحركات سعر الصرف مرشحة للتراجع خلال الفترة المقبلة، وهو تطور مهم في تقييم مسار التضخم والسياسة النقدية.
ويعني ذلك أن تحرك الجنيه لم يعد بالضرورة ينتقل إلى الأسعار بنفس القوة التي شهدها الاقتصاد في فترات سابقة، وهو ما يرتبط بتحسن أوضاع سوق الصرف وتراجع الاختلالات التي كانت تؤدي إلى انتقال أكبر وأسرع لصدمات العملة إلى الأسعار.
توقع مسار التضخم
وتشير الدراسة إلى أن أهمية هذه العلاقة لا تقتصر على قياس أثر تحرك الجنيه على التضخم الحالي، وإنما تمتد إلى توقع مسار التضخم مستقبلًا، وهو ما يجعل تقدير حجم وسرعة انتقال أثر سعر الصرف عنصرًا أساسيًا في قرارات البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة.
يأتي اهتمام البنك المركزي بهذه العلاقة في إطار التحول إلى نظام أكثر مرونة لسعر الصرف واستهداف التضخم كمرتكز للسياسة النقدية.
ففي ظل نظام سعر الصرف المرن، لا يصبح تثبيت قيمة الجنيه هو الهدف المباشر للسياسة النقدية، وإنما يكون التركيز على الحفاظ على استقرار الأسعار، مع السماح لسعر الصرف بالتحرك وفقًا لقوى العرض والطلب.
لكن هذا النظام يجعل فهم العلاقة بين العملة والأسعار أكثر أهمية؛ لأن أي انخفاض كبير أو سريع في قيمة الجنيه يمكن أن يرفع تكاليف الواردات، ثم ينتقل الأثر إلى أسعار السلع والخدمات، وقد يؤدي في حالة استمراره إلى زيادة توقعات التضخم.
ومن هنا تصبح قدرة البنك المركزي على تقدير حجم هذا الانتقال وسرعته عنصرًا أساسيًا في تحديد درجة التشديد أو التيسير النقدي المطلوبة.
وفي الوقت نفسه، تؤكد قراءة الدراسة أن التضخم في مصر لا يمكن اختزاله في تحركات سعر الصرف فقط، إذ تتداخل معه مجموعة من العوامل الأخرى، بينها أسعار الطاقة والسلع العالمية، والسياسات المالية، وأسعار السلع المنظمة، والطلب المحلي، وتوقعات التضخم.
وكان البنك المركزي قد أشار في تقريره السابق إلى أن مسار خفض التضخم تعرض لضغوط خلال الربع الأول من 2026، مع ارتفاع التضخم العام إلى 13.5% مقابل 12.3% في الربع الأخير من 2025، مدفوعًا بارتفاع تضخم الغذاء، إلى جانب استمرار ضغوط الأسعار غير الغذائية، خاصة أسعار الطاقة المنظمة.
كما رفع البنك المركزي في توقعاته السابقة متوسط التضخم السنوي المتوقع لعام 2026 إلى نطاق يتراوح بين 16 و17%، على أن يتراجع إلى 12-13% خلال 2027، مع استئناف مسار انخفاض التضخم بداية من الربع الأول من 2027، بحسب تقرير السياسة النقدية للربع الأول.
وتكشف الدراسة بالتالي عن أحد الأسباب التي تجعل تطورات سوق الصرف عنصرًا مهمًا في قرار لجنة السياسة النقدية، فإذا استقر الجنيه، وتراجعت حساسية التضخم لتحركات سعر الصرف، فقد يصبح انتقال الصدمات الخارجية إلى الأسعار أقل حدة، وهو ما يدعم استمرار مسار خفض التضخم على المدى المتوسط.
تقييم المخاطر
أما في حالة تعرض العملة لضغوط قوية أو حدوث موجة جديدة من انخفاض قيمة الجنيه، فإن معامل انتقال أثر سعر الصرف إلى التضخم يصبح أكثر أهمية في تقييم المخاطر، خاصة إذا تزامن ذلك مع ارتفاع أسعار الطاقة أو السلع العالمية.
ومن ثم، لا ينظر البنك المركزي إلى سعر الصرف باعتباره مجرد مؤشر على قوة أو ضعف الجنيه، وإنما باعتباره قناة أساسية يمكن من خلالها أن تنتقل الصدمات إلى التضخم وتؤثر في توقعات الأسعار
فإذا تحرك سعر الصرف بنسبة أكبر، فإن الأثر التراكمي على التضخم يصبح أكثر وضوحًا، خاصة عندما تكون الشركات غير قادرة على تحمل ارتفاع تكلفة المدخلات، أو عندما تكون توقعات التضخم مرتفعة بما يدفع المنتجين والتجار إلى إعادة تسعير منتجاتهم بسرعة.
وفي المقابل، كلما أصبح سعر الصرف أكثر استقرارًا، وتحسنت الثقة في السوق، وانخفضت توقعات التضخم، زادت احتمالات احتواء انتقال أثر أي تحركات محدودة في العملة إلى أسعار المستهلكين.





