الأحد 26 يوليو 2026 الموافق 12 صفر 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

الحرب مكلفة.. لماذا أوقف ترامب التصعيد ضد إيران فجأة؟

الرئيس نيوز

أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مؤقتًا، خططًا كانت تتجه نحو تصعيد كبير في العمليات العسكرية ضد إيران، في خطوة تبدو نتيجة لمزيج معقد من الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية، وليس تحولا مفاجئا في موقف واشنطن من الصراع.

وقالت صحيفة نيويورك تايمز إن أحد أبرز العوامل التي أثرت في قرار الإدارة الأمريكية هو القلق من تراجع مخزونات صواريخ الاعتراض، وعلى رأسها صواريخ باتريوت، إلى جانب ذخائر الدفاع الجوي الأخرى التي استُهلكت بكميات كبيرة خلال الحرب. وأصبح السؤال المطروح داخل دوائر صنع القرار الأمريكي لا يتعلق فقط بقدرة واشنطن على توجيه ضربات إضافية إلى إيران، وإنما بقدرتها على حماية قواتها وقواعدها وحلفائها إذا ردت طهران على أي تصعيد جديد.

تجاوز سعر الصاروخ الواحد أربعة ملايين دولار

وتشير المعطيات التي سلطت الصحيفة الضوء عليها إلى أن وزارة الدفاع الأمريكية استخدمت أكثر من 1200 صاروخ اعتراض باتريوت خلال الحرب، وفق تقديرات داخلية ومسؤولين في الكونجرس، بينما تجاوز سعر الصاروخ الواحد أربعة ملايين دولار. ومع استمرار العمليات، تراجعت المخزونات إلى مستويات أثارت مخاوف داخل المؤسسة العسكرية، خصوصًا مع حاجة الولايات المتحدة إلى الاحتفاظ بقدرات دفاعية كافية لمواجهة تهديدات محتملة في مناطق أخرى من العالم.

وتكمن خطورة هذا الاستنزاف في أن الحرب لم تعد محصورة في ساحة واحدة. فالقوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط تواجه تهديدات صاروخية وطائرات مسيرة، فيما تعرضت قواعد تستضيف قوات أمريكية في المنطقة لهجمات إيرانية. 

كشفت صحيفة بيزنس إنسايدر أن بعض الصواريخ الإيرانية تمكنت من اختراق الدفاعات الأمريكية، ما عزز المخاوف من أن يؤدي استمرار القتال بوتيرة مرتفعة إلى استنزاف سريع لمخزونات الاعتراض، خصوصًا إذا اتسع نطاق الهجمات.

 العودة إلى عمليات واسعة ضد إيران ممكنة عسكريًا

وتزامن ذلك مع تحذيرات عسكرية من أن استئناف العمليات القتالية الكبرى قد يؤدي إلى استنزاف إضافي لقدرات القيادة المركزية الأمريكية المسؤولة عن عمليات الشرق الأوسط. ووفق ما نقلته التقارير عن مسؤولين، فإن الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة، حذر من أن العودة إلى عمليات واسعة ضد إيران ممكنة عسكريًا، لكنها قد تستنزف بصورة خطيرة صواريخ الاعتراض المتاحة للقوات الأمريكية في المنطقة.

في المقابل، لم يكن العامل العسكري وحده وراء قرار التهدئة المؤقتة. فإدارة ترامب تواجه مخاوف متزايدة من تحول الحرب إلى صراع إقليمي شامل، خصوصًا مع تعرض دول خليجية تضم قواعد أمريكية لهجمات إيرانية، وتصاعد التوتر في البحر الأحمر.

وقد اتسع نطاق الحرب بالفعل خلال الأيام الأخيرة، مع دخول جماعة الحوثي المدعومة من إيران على خط المواجهة ضد السعودية، واستهداف منشآت نفطية ومواقع حيوية على ساحل البحر الأحمر. وأثارت هذه التطورات مخاوف من فتح جبهة جديدة تهدد إمدادات الطاقة وحركة الملاحة، في وقت لا تزال فيه أزمة مضيق هرمز تلقي بظلالها الثقيلة على الأسواق العالمية.

ومن هنا، فإن أي هجوم أمريكي واسع جديد قد لا يؤدي إلى ضربة محدودة فحسب، بل يمكن أن يطلق سلسلة من الردود المتبادلة تمتد من إيران إلى العراق والخليج والبحر الأحمر، وتضع حلفاء واشنطن أمام مخاطر أمنية واقتصادية متزايدة. كما أن ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب طرق التجارة العالمية يضيفان بُعدًا اقتصاديًا إلى الحسابات العسكرية.

وتطرقت صحيفة الجارديان إلى عامل آخر أكثر تعقيدًا حول الشكوك داخل الإدارة الأمريكية بشأن قدرة الضربات العسكرية على إجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات. فبينما يرى بعض المسؤولين أن استمرار الضغط العسكري والاقتصادي قد يدفع إيران إلى تقديم تنازلات، يعتقد آخرون أن الضربات قد تحقق نتيجة عكسية، عبر توحيد الداخل الإيراني خلف القيادة السياسية وتحويل الحرب إلى عامل تعبئة وطنية.

وفي هذا السياق، يبدو أن الخيار البديل الذي يناقشه بعض مستشاري ترامب يتمثل في الجمع بين الضغوط الاقتصادية واستمرار المفاوضات بدل الدخول في حملة عسكرية مفتوحة. غير أن الطريق الدبلوماسي لا يزال محفوفًا بالعقبات، خصوصًا في ظل الخلافات حول شروط أي اتفاق محتمل، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، وأمن الملاحة في مضيق هرمز.

 الضغط الاقتصادي يحتاج إلى وقت حتى يؤتي نتائجه

كما أن الضغط الاقتصادي يحتاج إلى وقت حتى يؤتي نتائجه. فقد تمكنت إيران، وفق تقارير، من استئناف جزء من صادراتها النفطية بعد تفاهمات سابقة، فيما أشارت تصريحات أمريكية إلى أن الصين خفضت مشترياتها من النفط الإيراني بنحو 40% خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما يمكن أن يضغط على إيرادات طهران، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى نتائج فورية.

لكن نيويورك تايمز تشير إلى أن وقف العمليات العسكرية الأمريكية مؤقتًا لا يعني نهاية الحرب، بقدر ما يعكس إعادة تقييم دقيقة لكلفة التصعيد. فواشنطن تجد نفسها أمام معادلة صعبة: مواصلة الضغط العسكري مع مخاطر استنزاف مخزونات الدفاع الجوي وتوسيع الحرب، أو التراجع نحو الدبلوماسية مع احتمال أن ترى طهران في ذلك فرصة لإعادة ترتيب أوراقها.

ويرجح موقع أكسيوس أن قرار ترامب يعكس محاولة للموازنة بين الخيارين؛ فالقوات الأمريكية لا تزال في حالة استعداد، والحصار البحري على إيران مستمر، بينما تبقى قنوات التفاوض مفتوحة. لكن اتساع رقعة المواجهة إلى البحر الأحمر، واستمرار التوتر حول مضيق هرمز، وتراجع مخزونات الأسلحة الدفاعية، كلها عوامل تجعل أي قرار أمريكي جديد بشأن الحرب أكثر تعقيدا من أي وقت مضى.