الإثنين 13 يوليو 2026 الموافق 28 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

اتهامات لإسرائيل بمحو ذاكرة جنوب لبنان.. مواقع تراثية عمرها آلاف السنين تحت القصف

الرئيس نيوز

مع استمرار تداعيات الحرب الأخيرة في جنوب لبنان، يتكشف تباعا حجم الأضرار التي لحقت بالمدن التاريخية والمواقع الأثرية، في وقت لا تزال فيه فرق التقييم عاجزة عن الوصول إلى بعض المناطق بسبب استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي بمناطق من الجنوب. وتشير التقارير الأولية التي رصدتها صحيفة لوموند دبلوماتيك الفرنسية إلى تضرر قرى تاريخية ومبانٍ تراثية وأسواق قديمة، إلى جانب مواقع أثرية مدرجة على قائمة التراث العالمي، وسط تحذيرات من فقدان جزء من الإرث الحضاري اللبناني.

استحالة العمل في ظل الاحتلال

كان وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة قد صرح بأن السلطات اللبنانية لم تتمكن حتى الآن من إعداد تقييم شامل لحجم الأضرار، موضحًا أن القوات الإسرائيلية لا تزال تتمركز داخل شريط يمتد لنحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، ما يمنع فرق الآثار والخبراء من الوصول إلى عدد كبير من المواقع المتضررة. وقال إن "لا يمكننا العمل في ظل الاحتلال"، معتبرًا أن استمرار هذا الوضع يؤخر عمليات التوثيق والإنقاذ ويمنع تكوين صورة دقيقة لما لحق بالتراث اللبناني من خسائر.

"تدمير ممنهج".. محو قرى كاملة من الخريطة

واتهم الوزير سلامة إسرائيل بتنفيذ ما وصفه بـ"التدمير الممنهج للقرى والبلدات بأكملها"، مشيرًا إلى أن بعض القرى التاريخية تعرضت للتجريف الكامل، بما يهدد بمحو قرون من التاريخ اللبناني. وتضم المنطقة المتضررة قلعة الشقيف (بوفورت) التي تعود إلى العصور الوسطى، إلى جانب قرى احتضنت عبر مئات السنين سكانًا من مختلف الطوائف، وشكلت نموذجًا للتنوع الديني والثقافي في جنوب لبنان. كما استحضر سلامة تصريحات سابقة لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تحدث فيها عن هدم المنازل على طول الحدود، معتبرًا أنها تعزز اتهاماته بوجود نمط ممنهج من التدمير.
 

آثار رومانية وأسواق مملوكية تحت النيران

لم تقتصر الأضرار على المناطق الحدودية، إذ امتدت الغارات إلى مدينتي صور والنبطية. ففي موقع "البص" الأثري بمدينة صور، المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو، تطاير تاج أحد الأعمدة الرومانية إثر غارة جوية، بينما أثار القصف الذي طال بلدة تبنين مخاوف من تعرض قلعتها الصليبية لأضرار. 

كما أصابت الضربات سوق النبطية التاريخي الذي يعود إلى العصر المملوكي، في حين سيطرت القوات الإسرائيلية على قلعة الشقيف بعد معارك عنيفة، بينما تقول إسرائيل إن حزب الله استخدمها لتخزين أسلحة، وهو ما تنفيه السلطات اللبنانية.

 

خبراء آثار: المشهد يشبه زلزالًا

ووصف مسؤولون في المديرية العامة للآثار حجم الدمار بأنه غير مسبوق، إذ قال أحد المسؤولين إن بعض المواقع بدا وكأن "زلزالًا ضربها"، موضحًا أن الحواجز التي أقيمت لحماية الآثار تحولت بفعل الانفجارات إلى مصدر إضافي للدمار. كما أكد مسؤولون محليون في مدينة صور أن المواقع المدرجة ضمن الحماية الدولية كان ينبغي أن تبقى بعيدة عن أي استهداف خلال النزاعات المسلحة، وفقًا للقوانين والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي، وفقا لصحيفة آراب ويكلي.

اليونسكو تدق ناقوس الخطر

كانت منظمة اليونسكو قد أعلنت أنها تتابع بقلق بالغ التقارير المتعلقة بالأضرار التي لحقت بمدينة صور، المصنفة ضمن قائمة التراث العالمي والخاضعة للحماية المعززة، إضافة إلى المخاطر التي تهدد قلعة شمع وقلعة الشقيف. وأشارت المنظمة إلى تقارير تتحدث عن هجمات استهدفت ممتلكات ثقافية، بينما طلبت الحكومة اللبنانية إعادة تصنيف مدينة صور ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، وهو تصنيف يمنح الموقع اهتمامًا دوليًا أكبر وإجراءات حماية إضافية.

مدينة عمرها خمسة آلاف عام في دائرة الخطر

وتعد مدينة صور من أقدم المدن المأهولة في العالم، إذ تعود جذورها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وكانت إحدى أهم مدن الحضارة الفينيقية قبل أن تزدهر في العصر الروماني، وتضم اليوم أحد أكبر ميادين سباق الخيل "الهيبودروم" في الإمبراطورية الرومانية، إلى جانب مواقع أثرية واسعة. ويضم لبنان ستة مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، من أبرزها بعلبك، وعنجر، ووادي قاديشا، وصور، وصيدا التاريخية، ما يجعل أي أضرار تلحق بهذه المواقع قضية تتجاوز البعد المحلي إلى التراث الإنساني العالمي.

الرواية الإسرائيلية.. "الضرورة العسكرية"

في المقابل، زعم جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه لا يستهدف البنية التحتية المدنية إلا عندما تفرض الضرورة العسكرية ذلك، مشيرًا إلى أنه يراعي وجود المواقع الحساسة ويتبع إجراءات خاصة قبل تنفيذ عملياته. وبينما تتمسك إسرائيل بهذه الرواية، تؤكد السلطات اللبنانية أن حجم الدمار، إلى جانب نزوح أكثر من مليون شخص بينهم نحو 200 ألف من مدينة صور ومحيطها، يعكس كلفة إنسانية وثقافية باهظة قد تستغرق سنوات طويلة لمعالجة آثارها وإعادة ترميم ما يمكن إنقاذه من التراث اللبناني.