رغم غياب دولة الاحتلال عن مونديال 2026..
النرويج تقود معركة عزل إسرائيل كرويًا.. ضغوط متصاعدة بالفيفا واليويفا
رغم فشل المنتخب الإسرائيلي وإخفاقه في بلوغ نهائيات كأس العالم 2026، فإن الجدل حول مشاركته في كرة القدم الدولية لم يتراجع، بل انتقل من المستطيل الأخضر إلى مكاتب الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" والاتحاد الأوروبي "يويفا". وفي قلب هذا التحرك تقف النرويج، التي تقود منذ أشهر واحدة من أكثر الحملات الأوروبية تنظيمًا للمطالبة بتعليق عضوية إسرائيل، معتبرة أن الإقصاء الرياضي عبر نتائج التصفيات لا يغني عن معالجة ما تصفه بقضية مبدئية تتعلق بالتزامات الاتحادات الرياضية تجاه القانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان.
وتؤكد رئيسة الاتحاد النرويجي لكرة القدم، ليسه كلافينيس، أن موقف بلادها لا يرتبط بنتائج المباريات أو هوية المتأهلين، وإنما يستند إلى قناعة بأن المؤسسات الرياضية الدولية مطالبة بالتعامل مع جميع الدول وفق معايير موحدة، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية أو موازين القوة داخل المنظومة الكروية، كما نقلت عنها مجلة بوليتيكو.
انتصاران داخل الملعب... ورسالة أقوى خارجه
على الصعيد الرياضي، لم تكتف النرويج بإقصاء إسرائيل من سباق التأهل إلى كأس العالم، بل فرضت تفوقًا واضحًا عليها خلال التصفيات، بعدما حققت انتصارًا خارج أرضها بنتيجة 4-2 في مارس 2025، قبل أن تكتسحها بخماسية نظيفة في أوسلو خلال أكتوبر من العام نفسه.
ومهد هذا التفوق الطريق أمام المنتخب النرويجي للعودة إلى نهائيات كأس العالم لأول مرة منذ نسخة 1998 بقيادة هدافه إيرلينج هالاند، قبل أن يواصل مشواره اللافت في البطولة ويبلغ الدور ربع النهائي. إلا أن الاتحاد النرويجي حرص على الفصل بين النجاح الرياضي والموقف السياسي، مؤكدًا أن انتهاء المنافسة بين المنتخبين لا يعني انتهاء المطالبة بتجميد عضوية إسرائيل داخل الفيفا واليويفا، لأن القضية - بحسب مسؤوليه - تتجاوز نتائج المباريات إلى مبادئ الحوكمة الرياضية، وفقا لمجلة سكوب إمباير.
الضغط يتجاوز كرة القدم... وصندوق الثروة يدخل على الخط
ولم يقتصر الموقف النرويجي على الملاعب، بل امتد إلى السياسات الاقتصادية والاستثمارية للدولة. ففي خطوة لافتة، طلب وزير المالية النرويجي جينس ستولتنبرغ من صندوق الثروة السيادي، أكبر صندوق استثماري في العالم بأصول تقترب من 20 تريليون كرونة نرويجية، مراجعة استثماراته في الشركات الإسرائيلية ومدى ارتباطها بالأنشطة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأفضت المراجعة إلى سحب الاستثمارات من عدد من الشركات الإسرائيلية، مع اعتماد آلية رقابة مستمرة لتقييم الشركات التي قد تكون مرتبطة بمشروعات في الضفة الغربية أو بالعمليات العسكرية في غزة، في مؤشر على أن الضغوط النرويجية لم تعد تقتصر على المؤسسات الرياضية، وإنما أصبحت جزءًا من سياسة أوسع تشمل أدوات اقتصادية واستثمارية.
كلافينيس... بين الخطاب الصدامي والدبلوماسية الهادئة
منذ انتخابها رئيسة للاتحاد النرويجي لكرة القدم، عُرفت ليسه كلافينيس بمواقفها الصريحة تجاه قضايا حقوق الإنسان في الرياضة، إلا أن انتخابها لاحقًا عضوًا في اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي لكرة القدم دفعها إلى تبني خطاب أكثر هدوءًا، يقوم على العمل من داخل المؤسسات بدلًا من المواجهة الإعلامية المباشرة.
ورغم هذا التحول في الأسلوب، لم يتغير جوهر الموقف النرويجي. فقد أكدت كلافينيس أن الاتحاد سيواصل إثارة الملف داخل الفيفا واليويفا، مع التركيز على الحوار المؤسسي وبناء توافق أوروبي أوسع، حتى وإن تراجع الزخم الشعبي لبعض المبادرات التي طرحت داخل الجمعية العمومية للاتحاد النرويجي، مثل تعليق عضوية إسرائيل أو وقف بعض المبادرات المرتبطة بالفيفا.
الفيفا يتمسك بالحياد... ومنظمات حقوقية تطالب بالتحرك
في المقابل، يواصل الاتحاد الدولي لكرة القدم بقيادة جياني إنفانتينو التمسك بموقفه التقليدي، مؤكدًا أن الفيفا ليس جهة مخولة بحل النزاعات السياسية أو الجيوسياسية، وأن مهمته الأساسية تتمثل في توحيد الشعوب عبر كرة القدم والحفاظ على استقلالية الرياضة عن الصراعات الدولية.
غير أن هذا الموقف يواجه انتقادات متزايدة من عشرات المنظمات الحقوقية والقانونية، التي ترى أن الحياد لا ينبغي أن يمنع اتخاذ إجراءات عندما يتعلق الأمر بانتهاكات موثقة للقانون الدولي. وقد استندت تلك المنظمات إلى تقارير أممية دعت إلى مراجعة العلاقة مع إسرائيل داخل المؤسسات الرياضية، فيما تحدثت تقارير إعلامية عن مناقشات جرت داخل أروقة اليويفا بشأن مستقبل العضوية الإسرائيلية، قبل أن تنتهي دون اتخاذ قرار رسمي.
روسيا وإسرائيل... مقارنة لا تغيب عن النقاش
ويستند مؤيدو تعليق عضوية إسرائيل إلى سوابق يعتبرونها ذات دلالة، أبرزها القرار السريع الذي اتخذته الفيفا واليويفا عام 2022 بتعليق مشاركة روسيا في جميع المسابقات الدولية عقب غزو أوكرانيا، وهو ما فتح باب التساؤلات حول مدى اتساق المعايير داخل المؤسسات الرياضية الدولية.
كما يستحضرون سابقة تاريخية أخرى تعود إلى عام 1974، عندما صوّت الاتحاد الآسيوي لكرة القدم على استبعاد إسرائيل من عضويته، قبل انتقالها لاحقًا إلى الاتحاد الأوروبي عام 1994. ويرى أصحاب هذا الطرح أن الاختلاف في سرعة الاستجابة بين الحالتين يغذي الاتهامات بازدواجية المعايير، بينما يرد الفيفا بأن لكل ملف ظروفه القانونية والسياسية المختلفة.




