«أنت لست تشرشل».. كيف تحولت مواجهة ترامب وستارمر إلى مصالحة حذرة؟
في بلدة إيفيان ليه بان الفرنسية، المطلة على ضفاف بحيرة جنيف، جلس كير ستارمر ودونالد ترامب وجهًا لوجه على هامش قمة مجموعة السبع، في أول لقاء بينهما منذ أن وصف الرئيس الأمريكي رئيس الوزراء البريطاني بأنه "ليس تشرشل"، في واحدة من أكثر اللحظات توترًا في تاريخ العلاقة الخاصة بين واشنطن ولندن.
من المقارنة بتشرشل إلى طاولة المفاوضات
في مطلع مارس الماضي، شنّ ترامب هجومًا علنيًا على ستارمر من المكتب البيضاوي، قائلًا بحدة: "هذا ليس ونستون تشرشل الذي نتعامل معه"، في إشارة مباشرة إلى تردد لندن في دعم الضربات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران.
ورفض ستارمر في البداية السماح للولايات المتحدة باستخدام القاعدة العسكرية البريطانية في دييغو غارسيا لتنفيذ ضربات على إيران ضمن عملية "الغضب الملحمي"، قبل أن يتراجع لاحقًا ويوافق على استخدامها في "ضربات دفاعية" فقط، عقب ضغوط وشكاوى من ترامب.
وزاد ترامب من حدة انتقاداته لاحقًا عندما أشار إلى تمثال تشرشل في المكتب البيضاوي خلال لقائه برئيس الوزراء الأيرلندي، مكررًا: "للأسف، كير ليس ونستون تشرشل".
وأضاف أنه يشعر بخيبة أمل لأن ستارمر "كان مستعدًا لإرسال حاملتي طائرات بعد أن انتصرنا، لا قبل الحرب عندما كنا في أمسّ الحاجة إليهما"، وفقًا لصحيفة "الغارديان".
جراح دييغو غارسيا والجزر الشائكة
ولم يقتصر التوتر على الملف الإيراني، بل امتد إلى قضية جزر شاغوس. فقد أعاد ترامب فتح ملف الأرخبيل الواقع في المحيط الهندي، والذي يضم قاعدة دييغو غارسيا الاستراتيجية، واصفًا قرار بريطانيا التنازل عن السيادة عليه لصالح موريشيوس بأنه "ضعف كامل وغباء شديد"، رغم احتفاظ لندن بحق إدارة القاعدة بموجب اتفاق إيجار يمتد 99 عامًا.
قمة السبع.. لقاء على وقع الخلافات
جاء لقاء ستارمر وترامب في إيفيان على خلفية خلافات استمرت أشهرًا بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية الكبرى، بعدما مضى ترامب في خياراته تجاه إيران دون تنسيق مسبق مع الحلفاء الأوروبيين.
كما لوّح الرئيس الأمريكي بسحب قوات بلاده من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، معتبرًا أن هذه الدول لم تقدم الدعم الكافي خلال الأزمة، ومع ذلك، بدت أجواء اللقاء أكثر هدوءًا مما كان متوقعًا، في ظل سعي الحلفاء الأوروبيين إلى احتواء التداعيات الاقتصادية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والمخاوف المرتبطة بإغلاق مضيق هرمز.
اتفاق تجاري يعيد الدفء للعلاقات
أسفرت القمة عن نتيجة عملية أعادت بعض الزخم إلى العلاقات الثنائية، حيث وقع ترامب وستارمر اتفاقية تجارية جديدة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة على هامش القمة.
ووصف ستارمر الاتفاق بأنه "دليل حقيقي على متانة العلاقة" بين البلدين، معتبرًا أنه يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز التعاون الاقتصادي بين لندن وواشنطن، وفقًا لهيئة الإذاعة البريطانية.
دبلوماسية الابتسامات تحت ضغط الواقع
وأصدر ستارمر، إلى جانب قادة فرنسا وألمانيا وإيطاليا، بيانًا مشتركًا رحب بالاتفاق الأمريكي–الإيراني، في رسالة دبلوماسية واضحة هدفت إلى طي صفحة الخلافات الأخيرة وإعادة العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها التقليدي.
ورأت صحيفة "ذا هيل" الأمريكية أن هذه الخطوة تعكس رغبة أوروبية في استعادة الشراكة مع واشنطن، حتى وإن تطلب ذلك قدرًا من المرونة السياسية في بعض الملفات الخلافية.
ومع ذلك، يبقى لقاء إيفيان محملًا بظلال الأشهر الماضية؛ فترامب لم ينس بعد ملف دييغو غارسيا، وستارمر لم ينس المقارنة القاسية بتشرشل. وبين الرجلين، تستمر علاقة "خاصة" تبحث عن تعريف جديد في عالم تتشابك فيه الحروب وتتصادم فيه المصالح.





