كلمة السر جيرانيوم.. من دبر حوادث الحرق التي استهدفت رئيس الوزراء البريطاني؟
في الساعات الأولى من صباح الثامن من مايو 2025، استيقظ سكان حي كنتيش تاون شمال لندن على مشهد سيارة تويوتا تلتهمها النيران، وللوهلة الأولى بدا الأمر حادثًا جنائيًا مألوفًا في مدينة كبيرة مثل لندن، لكن المحققين اكتشفوا سريعًا أن السيارة لم تكن هدفًا عشوائيًا، فقد كانت مملوكة سابقًا لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
وبعد أيام فقط، اندلع حريق ثانٍ عند مدخل شقق سكنية كان ستارمر يمتلك حصة فيها، ثم استُهدف منزل آخر يملكه في الحي نفسه ويقيم فيه أقارب زوجته، ومع تكرار الحوادث خلال فترة زمنية قصيرة، بدأت الشرطة تنظر إلى الأمر باعتباره حملة منسقة بعناية، لا سلسلة أعمال تخريب منفصلة.
من يقف خلف النيران؟
تحولت القضية سريعًا إلى واحدة من أكثر الملفات الأمنية حساسية في بريطانيا، وفي يونيو 2026، أدانت محكمة "أولد بيلي" رجلين بتهمة التآمر لتنفيذ الهجمات وحوادث الحرائق.
الأول أوكراني يدعى رومان لافرينوفيتش يبلغ من العمر 22 عامًا، والثاني روماني يدعى ستانيسلاف كاربيوك يبلغ 27 عامًا، كما أُدين لافرينوفيتش بتهم إضافية تتعلق بالحرق العمد بما يعرض الأرواح للخطر، بينما حصل المتهم الثالث بيترو بوتشينوك على البراءة.
وخلال المحاكمة، أقر لافرينوفيتش بأنه أشعل الحرائق بنفسه، لكنه قال إنه لم يكن يعلم أن المواقع المستهدفة مرتبطة برئيس الوزراء البريطاني.
وأكد أنه كان ينفذ تعليمات تصل إليه عبر الإنترنت من شخص مجهول، وأنه تعرض لضغوط وتهديدات دفعته إلى الاستمرار في تنفيذ المهام دون الحصول على الأموال التي وُعد بها.
"إيل موني": شبح لم يدخل قاعة المحكمة
رغم إدانة المنفذين، فإن الشخصية الأكثر إثارة في القضية لم تكن بين المتهمين، بل كانت خارج نطاق العدالة حتى الآن، فقد كشفت التحقيقات عن حساب مجهول على تطبيق تيليجرام يحمل اسم "إيل موني"، ويتواصل باللغة الروسية.
ووفقًا للمحققين، كان هذا الحساب هو العقل المدبر الذي جند المنفذين ووجههم خطوة بخطوة نحو تنفيذ الهجمات.
بدأ الأمر، بحسب التحقيقات، بمهام صغيرة لا تثير الشبهات؛ تعليق ملصقات ورسم شعارات على الجدران، لكن مع مرور الوقت، تطورت التعليمات إلى عمليات أكثر خطورة انتهت باستهداف عقارات مرتبطة بأعلى مسؤول سياسي في البلاد.
من التجنيد الإلكتروني إلى التخريب السياسي
تكشف تفاصيل القضية نموذجًا جديدًا من العمليات السرية يعتمد على استغلال الأفراد الأكثر هشاشة اقتصاديًا واجتماعيًا، فبحسب التحقيقات، جرى العثور على لافرينوفيتش داخل مجموعات تيليغرام مخصصة للأوكرانيين الباحثين عن عمل في بريطانيا، ومن خلال سلسلة من المهام المدفوعة، جرى استدراجه تدريجيًا إلى أن أصبح جزءًا من عملية ذات أبعاد سياسية وأمنية.
وتشير رسائل اطلعت عليها وسائل إعلام بريطانية إلى أن المشغل المجهول لم يكتفِ بإصدار الأوامر، بل قدم وعودًا بمكافآت وامتيازات مستقبلية، في محاولة لترسيخ الولاء لدى المنفذين.
الخيط الروسي: اتهامات بلا دليل قاطع
الأكثر حساسية في القضية هو ما ظهر من مؤشرات تربط الحساب الغامض بروسيا. فقد رجحت تقارير استقصائية أن يكون "إيل موني" مرتبطًا بشخصية روسية تدعى يفغيني ليوكشين، وهو شاب ينتمي إلى عائلة نافذة داخل مؤسسات الدولة الروسية. كما أظهرت المراسلات المتبادلة إعجابًا واضحًا بالرئيس فلاديمير بوتين، إضافة إلى عروض بمكافآت مقابل تنفيذ مهام إضافية داخل أوروبا.
ورغم هذه المؤشرات، لم تعلن السلطات البريطانية امتلاك أدلة قانونية كافية لإثبات هوية المشغل أو ربطه رسميًا بأي جهاز حكومي روسي.
لندن ليست وحدها
ما يقلق أجهزة الأمن الأوروبية أن حادثة لندن لا تبدو استثناءً. فخلال العامين الماضيين، حذرت أجهزة استخبارات غربية من تصاعد عمليات تخريب وتجسس وتأثير إعلامي تستهدف دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
وتشير تقديرات مراكز أبحاث أمنية إلى ارتفاع كبير في عدد هذه العمليات، مع اعتماد متزايد على وسطاء وعناصر غير رسمية يصعب ربطها مباشرة بالدول الراعية لها.
ويمنح هذا النموذج منفذيه ميزة استراتيجية مهمة: القدرة على الإنكار. فحتى عند اعتقال المنفذين، تبقى الجهة الحقيقية التي أصدرت الأوامر بعيدة عن متناول المحققين.
حرب لا تعلن رسميًا
تنفي موسكو أي علاقة لها بالقضية. فقد أكدت السفارة الروسية في لندن أن روسيا لا تشكل تهديدًا للمملكة المتحدة، ورفضت جميع الاتهامات التي تربطها بأعمال تخريبية داخل الأراضي البريطانية.
لكن القضية سلطت الضوء على نوع جديد من الصراعات لا يعتمد على الجيوش أو الدبابات، بل على تطبيقات المراسلة المشفرة والحسابات الوهمية والأفراد القابلين للتجنيد عن بعد.
وفي هذا العالم الرمادي بين الجريمة والسياسة، قد تبدأ القصة بسيارة محترقة في أحد شوارع لندن، لكنها تنتهي بطرح أسئلة أكبر بكثير حول الأمن القومي، وحدود النفوذ الروسي، ومستقبل ما بات يعرف في أوروبا بـ"حرب الظل".
- كير ستارمر
- رئيس الوزراء البريطاني
- لندن
- كنتيش تاون
- حرائق متعمدة
- تويوتا
- الأمن في بريطانيا
- الشرطة البريطانية
- محكمة أولد بيلي
- حرق عمد
- الإرهاب
- تجنيد إلكتروني
- تيليجرام
- تطبيقات المراسلة المشفرة
- أوكرانيا
- رومان لافرينوفيتش
- ستانيسلاف كاربيوك
- بيترو بوتشينوك
- روسيا
- اتهامات لروسيا
- الحرب السيبرانية
- الأمن السيبراني
- حرب الظل
- الأمن القومي البريطاني
- الاستخبارات
- الناتو
- الاتحاد الاوروبي
- التخريب السياسي
- التجسس
- العمليات السرية
- الجريمة المنظمة
- لندن 2025





