الثلاثاء 16 يونيو 2026 الموافق 01 محرم 1448
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
أخبار

“الطيبات” من “العلاج المعجزة” إلى الانتشار الجامح وتهديد الصحة العامة

أرشيفية
أرشيفية

في أغسطس من العام الماضي، بدأ رجل مصري في الخمسينيات من عمره يومه كأي يوم آخر، كان مصابًا بداء السكري من النوع الأول، ويعتمد على الأنسولين منذ سنوات للبقاء على قيد الحياة، وعندما أظهر جهاز قياس السكر ارتفاعًا مقلقًا في مستوى الجلوكوز، أخذ جرعته المعتادة ومضى إلى عمله.

في ذلك اليوم، أخبره أحد زملائه عن طبيب اشتهر على مواقع التواصل الاجتماعي بادعاء جريء حول علاج السكري يدون أنسولين. بدا الأمر مغريًا، فبعد سنوات من الحقن اليومية والالتزام الصارم بالعلاج، بدت فكرة التحرر من الدواء أقرب إلى الحلم منها إلى الوصفة الطبية.

بعد أيام، جلس الرجل أمام الطبيب ليستمع إلى تشخيص مختلف تمامًا عما عرفه الطب لعقود طويلة، قيل له إن السكري ليس كما يظن الكثيرون، وإن الحل لا يكمن في الأنسولين بل في نظام غذائي يسمى "الطيبات". 

عاد الرجل إلى منزله مقتنعًا، وأوقف العلاج، وبدأ اتباع التعليمات الجديدة، وبعد أقل من أسبوع، دخل في غيبوبة سكر، وفي اليوم التالي كان قد فارق الحياة، وبعد أشهر قليلة، توفي الطبيب نفسه، لكن الأفكار التي نشرها لم تمت معه، وفقا لمجلة نيولاين ماجزين الأمريكية.

ميلاد ظاهرة غذائية عابرة للحدود

كان صاحب النظام طبيبًا متخصصًا في التخدير والعناية المركزة قبل أن يعيد تقديم نفسه للجمهور بوصفه خبيرًا في التغذية العلاجية، عبر عشرات المقاطع المصورة والمحاضرات والمنشورات الرقمية، بنى خطابًا يقوم على فكرة مركزية بسيطة وجذابة وهي أن معظم الأمراض المزمنة ليست قدرًا محتومًا، وأن الجسم قادر على إصلاح نفسه إذا تناول الإنسان "الطعام الصحيح".

وفي عالم يزداد فيه الإنفاق الصحي عامًا بعد عام، ويشعر فيه كثير من المرضى بالإرهاق من الأدوية والعلاجات طويلة الأمد، وجدت هذه الرسالة جمهورًا واسعًا، فلم يكن النظام الغذائي مجرد قائمة أطعمة مسموحة وممنوعة، بل تحول إلى رؤية متكاملة للصحة والحياة.

وسرعان ما تجاوزت الظاهرة حدود العيادات وصفحات الإنترنت، فانتشرت القوائم الغذائية عبر مجموعات واتساب، وتناقلها المؤثرون على تيك توك وفيسبوك، وبدأت قصص "التعافي" تنتشر بسرعة تفوق أي دراسة علمية أو تحذير طبي، وبالنسبة لآلاف المتابعين، لم يكن "الطيبات" سوى وعد جذاب بالخلاص من المرض.

لماذا يدق الأطباء ناقوس الخطر؟

تكمن قوة هذا النظام في بساطة الرسالة التي يطرحها. ففكرة أن الغذاء يؤثر في الصحة ليست محل خلاف، بل إن الطب الحديث نفسه يؤكد أن التغذية عنصر أساسي في الوقاية من الأمراض وإدارتها، ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الحقيقة الجزئية إلى ادعاء مطلق، وفقا لتقرير مؤسسة سبرنجر نيتشر الألمانية.

الأطباء المتخصصون في الغدد الصماء والتغذية يؤكدون أن تحسين النظام الغذائي لا يعني الاستغناء عن العلاجات المثبتة علميًا، خصوصًا في الأمراض المزمنة التي تعتمد حياة المرضى فيها على أدوية محددة، فالأنسولين بالنسبة لمريض السكري من النوع الأول ليس خيارًا علاجيًا يمكن استبداله، بل ضرورة بيولوجية لا يمكن للجسم الاستغناء عنها.

ويرى خبراء الصحة العامة أن أخطر ما في هذه الخطابات ليس تشجيع الناس على تناول طعام أفضل، بل إقناعهم بأن الغذاء وحده قادر على القيام بدور الطب.

مفارقات تثير الجدل

أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في نظام "الطيبات" يتمثل في التناقض بين ما يحظره وما يسمح به، ففي الوقت الذي شجّع فيه أتباعه على تجنب فئات غذائية واسعة تشمل كثيرًا من الخضراوات والبقوليات والأطعمة الغنية بالألياف، لم يُبدِ القدر نفسه من التحفظ تجاه بعض المنتجات عالية المعالجة والغنية بالسكر.

ويرى خبراء التغذية أن هذا التوجه يصطدم مع كم هائل من الأدلة العلمية التي تربط بين استهلاك الخضراوات والبقوليات والحبوب الكاملة وبين تحسين صحة القلب وتنظيم مستويات السكر ودعم التنوع البكتيري المفيد في الأمعاء.

وبالنسبة لكثير من الباحثين، فإن الإشكالية لا تكمن فقط في التفاصيل الغذائية، بل في قلب الهرم الغذائي رأسًا على عقب، وتقديم توصيات تتعارض مع ما استقر عليه العلم خلال عقود من البحث والدراسة.

سحب الترخيص الطبي لصاحب النظام

وسط تصاعد الجدل وازدياد التحذيرات الطبية، بدأت الجهات التنظيمية في التحرك، فقد سحب الترخيص الطبي لصاحب النظام، وأُغلق مركزه الطبي، كما شطب اسمه من السجلات المهنية بعد اتهامات بترويج معلومات طبية مضللة. 

وبعد وفاته، اتخذت السلطات إجراءات إضافية للحد من تداول المحتوى المنسوب إليه، معتبرة أن استمراره يشكل خطرًا مباشرًا على الصحة العامة. غير أن التجربة كشفت حقيقة باتت مألوفة في عصر المنصات الرقمية: إزالة المحتوى أسهل بكثير من إزالة القناعة، فالأفكار التي تنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي غالبًا ما تواصل حياتها حتى بعد اختفاء أصحابها.

تآكل الثقة

ثمة ثقة تتآكل بين المرضى والمؤسسات الطبية، وثقة تنتقل تدريجيًا من المختبرات والجامعات إلى المؤثرين وصنّاع المحتوى ومنصات الفيديو القصير، واليوم، يتلقى ملايين الأشخاص نصائحهم الصحية عبر الهاتف المحمول قبل أن يسمعوها من الطبيب. وتنتشر الشهادات الشخصية بسرعة هائلة لأنها تقدم أملًا فوريًا وقصة إنسانية سهلة الفهم، بينما تبدو الدراسات العلمية بطيئة ومعقدة وأقل إثارة. وهنا تكمن المشكلة.

فالخوارزميات تكافئ المحتوى العاطفي، لا المحتوى الدقيق. وتكافئ اليقين المطلق، لا الشك العلمي. ولهذا تجد النظريات المبسطة والمزاعم الجريئة جمهورًا أوسع بكثير من الحقائق التي تحتاج إلى شرح وتفصيل.

درس يتجاوز حدود مصر

ربما انتهت حياة الرجل الذي ابتكر "الطيبات"، لكن الظاهرة التي ساهم في إطلاقها ما زالت حية، وهذا ما يجعل القضية أكبر من خلاف حول نظام غذائي أو رأي طبي مثير للجدل، إنها تذكير بأن معارك الصحة العامة لم تعد داخل المستشفيات فقط، بل على شاشات الهواتف الذكية أيضًا. 

وهناك، تتنافس الدراسات العلمية مع الفيديوهات القصيرة، وتتواجه الأدلة مع القصص الشخصية، ويتحول المرض أحيانًا إلى ساحة صراع بين المعرفة والخوارزميات.

ويبدو "العلاج المعجزة" أكثر جاذبية وتبسيطا من الحقيقة المعقدة. لكن التاريخ الطبي يكرر الدرس نفسه مرارًا؛ فلا سبيل للانتصار على الأمراض المزمنة بالشعارات، والصحة لا تبنى على الوعود، والعلم لا يستبدل بمقطع فيديو مهما حصد من ملايين المشاهدات.