في قلب الفوضى الإقليمية الراهنة.. بوتين يطرح فكرة إنشاء مركز للحبوب والطاقة في مصر
في خضم الاضطرابات التي تهزّ الشرق الأوسط وتعصف بسلاسل التوريد العالمية، طرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فكرة إنشاء "مركز مشترك للحبوب والطاقة" في مصر، خلال لقائه وزير الخارجية بدر عبد العاطي في الكرملين.
وقال بوتين: "لدينا الكثير من الأمور الجديرة بالبحث، من بينها مشروع مركز الحبوب والطاقة في مصر، وهناك فرص واعدة كثيرة في هذا الشأن".
وبدوره، رحّب وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي بالمبادرة الروسية، ناقلًا تحيات الرئيس عبد الفتاح السيسي ورسالة خطية منه إلى بوتين، ومعربًا عن تقدير القاهرة العميق للدعم الروسي في مجالي أمن الطاقة والغذاء.
وأكد الوزير مشاركة مصر في قمة روسيا–أفريقيا المرتقبة في أكتوبر القادم، معربًا عن أمله في أن تهدأ التوترات الإقليمية قبل ذلك الموعد ليتمكن الرئيس السيسي من حضورها شخصيًا.
موسكو تشخص الأزمة وتعرض العلاج
لم تكتف موسكو بطرح الفكرة، بل قدّمت رؤية شاملة لحاجة مصر إلى هذا التعاون. منذ إغلاق مضيق هرمز عمليًا نتيجة الأزمة الإقليمية، تأثرت دول الشرق الأوسط مباشرة، إذ ارتفعت أسعار البنزين والديزل والغاز الطبيعي المسال.
وكان الرئيس السيسي قد حذّر في وقت سابق من أن اضطراب تدفقات النفط الخليجي قد يدفع بأسعار النفط إلى مستويات غير مسبوقة.
وفي هذا الإطار، أبرزت صحيفة إزفستيا الروسية قدرة موسكو على تقديم دعم ملموس لمصر في أوقات الأزمات، من خلال زيادة صادرات النفط ومشتقاته والغاز الطبيعي المسال، مؤكدة أن المركز المقترح ليس مجرد صفقة تجارية، بل يعكس إرادة سياسية مشتركة لتحقيق استقرار المنطقة.
مصر أكبر مستورد للقمح وشريك استراتيجي طبيعي
تعد مصر أكبر مستورد للقمح في العالم، والمشتري الأكبر على مستوى الكرة الأرضية. وبحسب تقديرات شركة روساجروترانس للنقل بالسكك الحديدية، اشترت القاهرة نحو 7.5 مليون طن من الحبوب في الموسم الحالي، بما يعادل تقريبًا ما تم شراؤه في الموسم الماضي.
وأكد بوتين أنه أصدر تعليمات لحكومته بالتنسيق مع مصر في ملف إمدادات الغذاء، ولا سيما الحبوب، مشددًا على أن "روسيا حققت حصادًا وفيرًا العام الماضي، ولن تواجه أي صعوبة في الوفاء بالتزاماتها التصديرية".
وأضاف أن وزير الزراعة أو نائب رئيس الوزراء المعني بالملف قد تواصل بالفعل مع نظيره المصري تنفيذًا لتعليماته.
بنية تحتية ضخمة على ضفاف القناة
كشفت صحيفة إزفستيا عن تفاصيل المشروع، مشيرة إلى تصريح يوليا أوجلوبلينا، نائبة رئيس لجنة الشؤون الزراعية في مجلس الدوما الروسي، بأن المركز المقترح سيضم بنية لوجستية ضخمة تشمل منشآت للتخزين والفرز والمعالجة، ومسارات لإعادة التوزيع نحو أسواق أفريقيا والشرق الأوسط.
وتداولت الأطراف ثلاثة مواقع محتملة لإقامة المركز: بورسعيد، دمياط، والسخنة، وهي مدن تتمتع بمواقع استراتيجية مباشرة على البحر.
إعادة رسم خرائط الطاقة والغذاء
تتزامن مبادرة بوتين مع مرحلة بالغة الأهمية في خرائط الطاقة العالمية، حيث رصدت وكالة شينخوا الصينية أن أزمة مضيق هرمز ألقت بظلالها على أسواق السلع الأساسية، لا سيما في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، ما يجعل البحث عن مسارات بديلة لإمدادات الغذاء والطاقة ضرورة استراتيجية وليست خيارًا.
وفي السياق ذاته، أجرى بوتين اتصالًا هاتفيًا بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مؤكدًا أن الجانبين "شددا على ضرورة الوقف السريع للأعمال العدائية وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لتحقيق تسوية طويلة الأمد للنزاع"، في إشارة إلى تحرك موسكو على مسارين متوازيين: الاقتصاد والدبلوماسية، وفق صحيفة ذا ناشيونال.
نظام لوجستي مستدام
روسيا تسعى منذ سنوات إلى إيجاد مسارات بديلة ومستدامة لتصدير الطاقة والسلع، ومصر تؤدي دورًا متناميًا في استيعاب هذه السلع، لتصبح نقطة لوجستية وتخزينية للإمدادات المتجهة نحو أفريقيا والشرق الأوسط.
سبق أن اقترح بوتين فكرة إنشاء "مركز للغاز" في تركيا، إلا أن المشروع لم يحقق زخمًا كافيًا على الأرض، أما المشروع المصري فيبدو أكثر قابلية للتطبيق، نظرًا لعلاقته التجارية الراسخة وللظرف الجيوسياسي الاستثنائي الذي يمنحه دفعة قوية نحو التنفيذ.





