الخميس 02 أبريل 2026 الموافق 14 شوال 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

دراسة في "سيانتفيك ريبورتس": البرسيم المصري بديل مستدام وعالي القيمة لعلف الدواجن

الرئيس نيوز

ذكرت مجلة نيتشر أن البرسيم على الرغم من كونه نباتا قديما لديه الإمكانيات الوفيرة التي تجعله يواجه أزمة الغذاء الحديثة وسط تصاعد أسعار المواد الأولية وتزايد الضغوط على سلاسل إمداد الأعلاف العالمية، وتلقي دراسة علمية جديدة نشرتها مجلة "سيانتفيك ريبورتس" التابعة لمجموعة نيتشر الضوء على نبات بري متواضع طالما كان في صميم الزراعة المصرية، الذي يعرفه الغرب باسم البرسيم الإسكندراني. 

وتنطلق الدراسة من واقع قطاع الدواجن الذي يعتمد في علائقه بصورة رئيسية على الذرة وفول الصويا، غير أن ندرة هذه المواد وارتفاع أسعارها يدفع المربين باستمرار للبحث عن بدائل، وهو ما يجعل مفهوم المصادر البديلة في إطار الزراعة المستدامة فرصة بيئية واقتصادية حقيقية.  

وتكتسب هذه المسألة أهمية متصاعدة في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة التي أربكت خطوط الإمداد الزراعي العالمية وضاعفت تكاليف الإنتاج في قطاع الثروة الحيوانية، ما جعل البحث عن مكونات علفية محلية بديلة ضرورة استراتيجية لا مجرد خيار اقتصادي.

منهجية علمية متكاملة

وأجرى البحث فريق من الباحثين ينتمون إلى مختبر الموارد الطبيعية الحيوية بجامعة حسيبة بن بوعلي في الشلف بالجزائر، وعلى رأسهم الباحثة أمينة بن موسى التي تولت الجانب التطبيقي وتحليل البيانات. جُمعت عينات من نبات البرسيم الإسكندراني وخُضعت للتحليل الكيميائي الشامل وتحديد المركبات النشطة بيولوجيا وملف الأحماض الدهنية عبر تقنية كروماتوغرافيا الغاز مقترنة بطيف الكتلة، فيما استُخدم طيف الامتصاص الذري لقياس محتوى المعادن وتقنية الكروماتوغرافيا السائلة عالية الأداء لتحديد تركيز الفيتامينات.

وتتميز هذه المنهجية بشموليتها، إذ تغطي في آن واحد التركيب الكيميائي الأساسي والمكونات النشطة بيولوجيا والملف الدهني والمعادن والفيتامينات، مما يمنح نتائجها مصداقية علمية عالية وقابلية للتطبيق المباشر في صياغة وصفات الأعلاف.

ثروة بروتينية ودهنية في حقول الدلتا

وكشف التحليل المختبري الشامل عن مؤهلات غذائية لافتة تتجاوز ما هو متعارف عليه في الأوساط الزراعية التقليدية. 

وتبين أن البرسيم الإسكندراني غني بالبروتينات بنسبة تصل إلى خمسة وعشرين بالمئة، كما رصد التحليل الكروماتوغرافي مركبات نشطة بيولوجيا ذات فوائد صيدلانية غذائية، إضافة إلى طيف واسع من الأحماض الدهنية يتصدرها حمض ألفا لينولينيك بتركيز يبلغ نحو واحد وثلاثين بالمئة. 

وتعد هذه النسبة البروتينية مقاربة لمستويات نبات الألفا ألفا المرجعية التي طالما اعتمدت معيارًا في تغذية الثروة الحيوانية، فيما يجعل حمض ألفا لينولينيك بتركيزه المرتفع البرسيم مصدرا نافعا لأحماض أوميجا ثلاثة، التي ثبت أثرها الإيجابي في تحسين جودة لحوم الدواجن وبيضها وتعزيز مناعة القطعان.

معادن وفيتامينات بالمنظار العلمي

لم تتوقف نتائج الدراسة عند البروتين والدهون، بل امتدت لترسم صورة غذائية متكاملة لهذا النبات. كشف تحليل الامتصاص الذري عن حضور منظومة كاملة من المعادن الضرورية تشمل المغنيسيوم والكالسيوم والزنك والنحاس والمنغنيز والصوديوم والحديد والبوتاسيوم والفوسفور. أما على صعيد الفيتامينات فتشمل فيتامين ب٢ وفيتامين ج وفيتامين ب٣ وب٩ وب١٢ وفيتامين ألف وفيتامين هاء.

وتكتسب هذه التركيبة المعدنية والفيتامينية أهمية خاصة في ضوء ما بات معروفًا عن الارتباط الوثيق بين نقص هذه العناصر في علائق الدواجن وتراجع الأداء الإنتاجي وضعف الجهاز المناعي، مما يجعل البرسيم مكملًا غذائيًا طبيعيًا بامتياز لا مجرد مصدر للطاقة والبروتين.

إمكانات واعدة مع تحفظات علمية

على الرغم من هذه المؤهلات الغذائية المتميزة، يضع الباحثون نتائجهم في سياقها الصحيح دون مبالغة أو تسرع في الاستنتاجات. تخلص الدراسة إلى أن البرسيم الإسكندراني يمثل مصدرا بروتينيا محتملا واعدا لعلائق الدواجن، غير أن ارتفاع محتواه من الألياف يقيد إضافته المباشرة إلى العلائق، مما يستوجب إخضاعه لمعالجة تكنولوجية تخفض مستوى الألياف وترفع قابلية الهضم، مع التوصية بإجراء تجارب حيوية ميدانية لتقييم التطبيق العملي على قطعان الدواجن قبل اعتماده مكونا علفيا موسعا. وهذا التحفظ المنهجي ليس تراجعًا عن النتائج، بل هو تجسيد للأمانة العلمية ومؤشر على نضج البحث وواقعيته.

جذور ضاربة في تاريخ مصر الزراعي

ويحمل البرسيم الإسكندراني في اسمه العلمي شهادة ميلاد مصرية أصيلة، إذ ارتبط ارتباطا عضويا بخصوبة دلتا النيل وتعاقب المحاصيل على أراضيها عبر آلاف السنين، وكان ولا يزال ركيزة أساسية في منظومة الزراعة المصرية التقليدية. واليوم تعيد دراسة أكاديمية رصينة منشورة في إحدى أرفع المجلات العلمية في العالم اكتشافه من بوابة الكيمياء الحديثة والتحليل المختبري الدقيق، لتؤكد أن ما عرفه الفلاح المصري بالتجربة والخبرة المتراكمة على مدى أجيال باتت تؤكده اليوم أعقد المنهجيات البحثية. 

وفي مسار يجمع بين عمق التراث الزراعي المصري وضرورات الأمن الغذائي العالمي، يبرز البرسيم الإسكندراني مجددًا لا بوصفه إرثًا تاريخيًا فحسب، بل حلًا مستقبليًا واعدًا قد يُسهم في تخفيف وطأة أزمة الأعلاف المتصاعدة التي تُثقل كاهل منتجي الدواجن في مصر والعالم.