الأربعاء 11 مارس 2026 الموافق 22 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
تقارير

حرب إيران تحيي حلم «ناتو عربي» موحد.. وخبراء يشككون في جدواه

الرئيس نيوز

في قمة شرم الشيخ عام 2015، خاطب الرئيس عبد الفتاح السيسي القادة العرب قائلًا: "نحن بحاجة إلى التفكير بعمق وثقة بالنفس في كيفية إعداد أنفسنا للتعامل مع المستجدات من خلال إنشاء قوة عربية مشتركة". واليوم، وبعد عقد كامل على تلك الكلمات، يتذكر العالم أن السيسي كان يرى ما لم يره غيره. 

وجاء في تقرير صحيفة "ذا ناشيونال" أن هذا الحلم عاد ليطرح نفسه بقوة على طاولة الأمن الإقليمي، في خضم اضطراب جيوسياسي هو الأكثر عنفًا الذي تشهده المنطقة منذ عقود.

الشرارة: ضربة الدوحة التي أيقظت الجميع

إذا كان الهدف هو فهم السياق العربي الشامل بشكل متعمق، فلا بد من العودة إلى التاسع من سبتمبر 2025، حين شنت إسرائيل غارة جوية على العاصمة القطرية استهدفت قادة حركة حماس المقيمين فيها. وقد أثارت الضربة موجة واسعة من الإدانات العربية والغربية، وأشارت إلى أن إسرائيل لم تعد تعتبر أي عاصمة عربية منطقة آمنة.

وفجأةً، لم يعد الأمر يتعلق بغزة أو لبنان أو اليمن، بل بات التهديد يطرق أبواب عواصم خليجية راسخة بالاسم والعنوان الصريح. وجاءت الضربة في سياق إقليمي بالغ التعقيد؛ إذ أفضت حرب الاثني عشر يومًا بين إسرائيل وإيران في يونيو 2025 إلى تراجع حاد في قدرات محور المقاومة، من تراجع حزب الله في لبنان، إلى الضغط المتصاعد على الحوثيين في اليمن والميليشيات العراقية، وصولًا إلى أضرار بالغة طالت البرنامج النووي الإيراني.

وبينما كانت إيران تترنح، كانت إسرائيل تتمدد، وهذا بالضبط ما أثار قلق سائر العواصم العربية.

وأشارت الصحيفة إلى أن مقترح الناتو العربي ليس وليد اللحظة؛ فقد طُرح أول مرة في قمة شرم الشيخ عام 2015 ردًا على تمدد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، لكنه لم يتحقق آنذاك بسبب خلافات حول السيادة وهيكل القيادة.

وكشفت مصادر دبلوماسية أن مصر خفضت تواصلها مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ بدء الهجمات على غزة، مع الإبقاء على قنوات تتعلق بإيصال المساعدات الإنسانية فحسب، فيما نسّق السيسي مع السعودية وفرنسا لتصعيد الضغط الدبلوماسي على إسرائيل.

ويطرح التصميم المقترح للقوة فكرة أن تكون القاهرة مقرًا لها، وأن يتولى مصري قيادتها في المرحلة الأولى قبل أن تتناوب القيادة بين أعضاء جامعة الدول العربية الاثنين والعشرين. وتتشكل القوة من وحدات برية وجوية وبحرية، إلى جانب قوات نخبوية متخصصة في مكافحة الإرهاب والمهام الخاصة وعمليات حفظ السلام.

واقترحت القاهرة المساهمة بنحو 20 ألف جندي، في حين يُسند للرياض دور "الشريك الرئيسي"، بما يعني أن دول الخليج ستتولى في المحصلة تمويل التحالف.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، وجّه وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال اجتماع عربي طارئ نداءً صريحًا لتفعيل مفهوم العمل العربي المشترك، مستندًا إلى الهجمات الإيرانية على الجيران بوصفها من العوامل الأكثر إلحاحًا في الوقت الراهن.

قرار 2015

نص قرار القمة العربية عام 2015 على أن القوة المشتركة قادرة على التصدي لـ"التهديدات التي تمس أمن واستقرار" الدول الأعضاء، إلى جانب مكافحة الإرهاب، مع تفويض محتمل لمهام حفظ السلام والعمليات الإنسانية. 

كما اقترح القرار إنشاء مجلس دفاع عربي يضم وزراء الخارجية والدفاع، ومجلسًا منفصلًا لرؤساء الأركان، بيد أن أيًا من هذين المجلسين لم يتجاوز عبارات من حبر على ورق.

"نبني البيت والنار تشتعل"

يرى بعض المحللين أن الحديث عن إنشاء قوة عربية مشتركة الآن يأتي في توقيت بالغ الخطأ، في لحظة تحتاج فيها الدول العربية إلى حماية فورية من الهجمات الإيرانية وتأمين الممرات المائية الاستراتيجية كمضيق هرمز، مشبهين الموقف بالتحدث عن بناء بيت بينما الحريق مشتعل.

غير أن الخبراء لا يغلقون الباب كليًا أمام التعاون الدفاعي العربي، بل يقترحون صيغة أكثر واقعية وهدوءًا، وهي إطار تنسيق في مجال الدفاع الجوي وتبادل المعلومات الاستخباراتية واللوجستيات، دون استخدام التسمية الموحية سياسيًا بـ"القوة العربية المشتركة". فلا أحد يريد أن يُرى علنًا وهو يدافع عن تلك اللافتة الآن، فالرمزية تحمل ثقلًا تاريخيًا كبيرًا. أما التنسيق العملي، فقد يتقدم خلف الأبواب المغلقة.

ويعتقد بعض المحللين أن فكرة القوة العربية المشتركة قد لا ترى النور، لأنها فكرة رومانسية تشبه إلى حد بعيد فكرة السوق العربية المشتركة. أما ما هو عملي وفي متناول اليد فهو تحالف عسكري يضم مصر والسعودية والإمارات، وقد أجروا معًا مناورات حربية عديدة، ويتحدثون اللغة ذاتها، ولديهم في معظمهم أسلحة متقاربة.

لا توافق عربيًا على من هو العدو

يذهب فريق من المحللين إلى أبعد من ذلك في تشريح العقبات البنيوية، إذ لا يوجد توافق عربي على ماهية الأمن القومي العربي تحديدًا، ولا اتفاق على من هو العدو الأشد خطورة. 

كما أن هناك اتفاقية دفاع عربية مشتركة قائمة منذ خمسينيات القرن الماضي، وقلما طُبقت. لكن منذ عام 1967 ساندت كل دولة عربية مصر والأردن وسوريا بكل ما تستطيع، عسكريًا أو عبر حظر النفط.

حلم يعود مع كل أزمة ثم يتبخر

تؤكد تقارير معهد "أطلس للشؤون الدولية" أن المنطقة لم تشهد جهدًا أكثر جدية ودوافع طبيعية من "إطار الأمن والتعاون الإقليمي" لعام 2025، لكن السياسة لا المنطق الاستراتيجي هي ما سيحدد مصير هذا المسعى في نهاية المطاف.

وأشارت الصحيفة إلى مبادرة "تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي" التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2017، والتي سرعان ما انهارت؛ إذ يستغرق بناء الثقة أكثر من مجرد إعلان واحد لإنهاء سنوات من التنافس السياسي والحروب بالوكالة والتشكيك المتجذر بين الدول. وحتى لو توافرت الإرادة السياسية القوية الآن، فهي هشة وقد تنهار سريعًا تحت وطأة أزمات حقيقية.