"سيكاي كوران جاء هنا".. فك لغز نقوش هندية في وادي الملوك عمرها ألفا عام
في عصر ما قبل كاميرات السيلفي وما قبل منصات التواصل الاجتماعي، وما قبل البطاقات التذكارية السياحية، كان الإنسان يشبع نزوعه الأزلي نحو الخلود بأسلوب واحد لا يتغير؛ وهو أن ينقش اسمه في الحجر، ويقول للعالم من حوله، مررت من هنا، أنا كنت هنا. وهذا بالضبط ما فعله "سيكاي كوران" قبل ألفي عام، حين وقف أمام أضخم وأبهى المقابر الملكية في تاريخ البشرية، ونقش اسمه على جدران وادي الملوك في مصر، ليترك علماء الآثار أمام سؤال يتردد في دهشة: من كان ذلك الرجل القادم من أرض الهند، وكيف وصل إلى الأقصر، وما القصة الكاملة وراء نقوشه؟
تشمل الإجابة واحدة من أكثر الاكتشافات الأثرية إثارة في السنوات الأخيرة، وقد كشف عنها الباحثون في مؤتمر دولي عقد مؤخرا في مدينة شيناي الهندية، قبل أن تتناقلها كبرى المنابر العلمية والصحفية الغربية، بما في ذلك موقع "لايف ساينس" ومجلة "سميثسونيان ماجازين"، وكذلك موقع "آركيولوجي ماجازين".
اكتشاف بالصدفة... في أروقة الفراعنة
بدأت القصة بلحظة فضول بسيطة في يناير 2024، وكان البروفيسور إنجو شتراوش، أستاذ الدراسات الجنوبية والسلافية في جامعة لوزان السويسرية، يزور وادي الملوك بصفته سائحًا عاديًا، حين لفت انتباهه شيء غريب على الجدران.
وقال شتراوس لموقع "جيزمودو": "حين زرت المقابر الفرعونية بوصفي سائحا في يناير 2024، لاحظت أن بعض النقوش على الجدران تبدو مختلفة عن غيرها، وبدت تشابهات واضحة مع الخطوط الهندية."
ولم يكن متأكدًا في البداية، فالتقط صورًا لها وعاد إلى بيته. حين أمعن النظر في صوره مجددًا، بدأ يشك في أن تلك النقوش قد تكون باللغة التاميلية، فأرسل الصور إلى زميلته شارلوت شميد، التي أكدت أن الخربشات تبدو باللغة التاميلية، وتترجم إلى "سيكاي كوران جاء هنا ورأى."
من لحظة الفضول تلك، انطلق مشروع بحثي كامل. عاد شتراوس وشميد وهي باحثة في "المدرسة الفرنسية للشرق الأقصى" في باريس إلى وادي الملوك لدراسة النقوش بعمق أكبر. أسفرت دراستهما التي امتدت بين عامَي 2024 و2025 عن توثيق ما يقارب 30 نقشًا موزعة على ستة مقابر في منطقة الجبانة الطيبية، منها نحو 20 نقشًا باللغة التاميلية-البراهمية، فيما كُتبت النقوش الباقية بالبراكريت والسنسكريتية والغانداري-الخاروشتي.
"سيكاي كوران"... السائح الأكثر جرأة
في عالم الآثار، نادرا ما يسرق شخص من القرن الأول الميلادي الأضواء بهذا الشكل. لكن "سيكاي كوران" كان استثناء، إذ نقش كوران اسمه ثماني مرات في خمس مقابر مختلفة، مكتوبًا بلغة التاميلية القديمة. ولم يكتف بالنقش في مكان واحد يراه، بل كان يبحث عن الأعلى والأكثر ظهورا.
وأوضحت شميد أن كوران كان يميل إلى ترك نقوشه في أماكن مرتفعة. ففي مقبرة رمسيس التاسع، الذي حكم بين عامي 1126 و1108 قبل الميلاد، كتب نقشه على ارتفاع 16 إلى 20 قدمًا فوق مدخل المقبرة، وكان هدفه واضحًا: "أراد أن يتأكد من أن الجميع سيرونه.
كيف تسلق إلى تلك الارتفاعات؟
ويرى بعض العلماء أنه ربما تسلق أو استخدم دعامات مؤقتة للوصول إلى تلك المواضع. ويرى آخرون أنه كان مصمما على ترك أثره في مكان يلفت الأنظار بشكل خاص. أما هويته الاجتماعية فلا تزال مبهمة؛ وقالت شميد إن كوران ربما كان رحالة أو تاجرا، لكن لا يوجد ما يجزم بذلك.
رسول ملك ونقوش تتحاور عبر اللغات
لم يكن كوران وحيدا في تلك الرحلة الاستثنائية. اكتشف الباحثون نصًا آخر بالسنسكريتية كتبه رجل يدعى "إندراناندين"، وصف نفسه فيه بأنه "رسول الملك كشاهاراتا"، وهي سلالة حكمت أجزاء من الهند خلال القرن الأول الميلادي. وأشار شتراوس إلى احتمال أن يكون إندرانانديّن قد وصل عن طريق الإبحار إلى ميناء بيرينيكي على ساحل البحر الأحمر، ثم واصل رحلته برًا نحو الداخل وصولًا إلى وادي الملوك.
والأكثر إثارة من مجرد تعدد الزوار هو ما كشفته النقوش عن ثقافة هؤلاء الرحالة ومستواهم المعرفي. لاحظ الباحثون أن بعض النقوش الهندية تشير إلى نقوش يونانية أخرى موجودة على جدران المقبرة ذاتها، مما يعني أن هؤلاء الزوار الهنود كانوا يقرؤون اليونانية بجانب لغاتهم الأصلية، وأنهم "ينتمون إلى فضاء ثقافي مشترك."
وفي مقبرة واحدة، تجد نقوشا بالسنسكريتية والتاميلية تتحاور مع نقوش يونانية بجوارها — صورة استثنائية لعولمة من القرن الأول الميلادي.
لماذا لم تكتشف هذه النقوش من قبل؟
السؤال المشروع: إذا كانت هذه النقوش موجودة منذ ألفي عام، فلماذا انتظر الباحثون حتى 2024 ليكتشفوها؟ يجيب عالم المصريات ستيف هارفي لصحيفة "ذا آرت نيوزبيبر": "يبدو أن السبب في إغفال النقوش التاميلية داخل مقابر وادي الملوك هو ببساطة أن أحدًا ممن يملكون المعرفة الكافية لم يلاحظها من قبل. فالباحثون المتخصصون في اللغات الهندية نادرًا ما يدرسون النقوش الجدارية في مصر، في حين أن النقوش اليونانية والآرامية كانت معترفا بها ومدروسة منذ وقت طويل."
وفي الواقع، كان العالم الفرنسي جول بايي قد رصد في عام 1926 أكثر من 2000 قطعة من الكتابات الجدارية داخل المقابر المصرية، معظمها باليونانية واللاتينية. لكنه وجد أيضًا نقوشًا بلغة آسيوية غير محددة، ولم يستطع التعرف عليها. وظلت تلك النقوش "مجهولة الهوية" قرابة مئة عام، حتى جاءت عيون شتراوس المدربة.
العلم يؤكد: ما هو أبعد من التجارة
يقول شتراوس: "هذه الاكتشافات تظهر اندماج أشخاص من أصول هندية من مختلف أنحاء شبه الجزيرة الهندية في مجتمع مصر الرومانية، وتجعل من المرجح وجود نقوش هندية أخرى أو قطع أثرية هندية لم تكتشف بعد في مصر."
أما كاسبر جرونلوند إيفرس، الباحث المستقل في التجارة القديمة بعيدة المدى، فيصف الاكتشاف بأنه "بالضبط النوع من الأدلة على التجار التاميليين والهنود الغربيين الزائرين الذي كنا نأمل في العثور عليه — لكن لم نستطع توثيقه بهذا الحجم من قبل." وتضيف الأستاذة ألكسندرا فون ليفن من جامعة مونستر الألمانية أن هذه النصوص "تثبت ليس فقط مجرد وجود الهنود في مصر، بل أيضًا اهتمامهم الحقيقي بثقافة البلاد."