الثلاثاء 10 مارس 2026 الموافق 21 رمضان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

استهداف محطة تحلية في البحرين.. هل دخلت المياه ساحة الحرب في الخليج؟

الرئيس نيوز

في مشهد يمثل تحولًا جذريًا في طبيعة الصراع المتصاعد، أعلنت وزارة الداخلية البحرينية أن إيران "قصفت بشكل عشوائي أهدافًا مدنية"، ملحقة أضرارًا بمحطة لتحلية المياه في هجوم نُفِّذ بطائرات مسيّرة.

وقد كشفت هذه الضربة، التي تستهدف للمرة الأولى منشأة تمس الحياة اليومية لعموم المواطنين لا مجرد الاقتصاد والطاقة، عن هشاشة بنيوية خطيرة طالما تجاهلتها حسابات الأمن الإقليمي، وفقًا لصحيفة The National.

من الاقتصاد إلى الصنبور

ثمة خط فاصل دقيق، لكنه بالغ الدلالة، يفصل بين استهداف حقول النفط ومنشآت الطاقة من جهة، واستهداف محطات تحلية المياه من جهة أخرى. 

فالأولى تؤلم الحكومات وتهزّ الأسواق، أما الثانية فتطرق أبواب البيوت وتُجفّف صنابير المطابخ. وهذا بالضبط ما أشار إليه نيل كويليام، الزميل المشارك في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعهد تشاتام هاوس، حين وصف الضربة في البحرين بأنها "تصعيد كبير"، مضيفًا أن إيران انتقلت من ضرب الأصول التي تؤذي اقتصادات الخليج وأسواق الطاقة العالمية إلى استهداف ما يمس معيشة المواطن الخليجي مباشرة.

وجاءت الضربة في سياق تصاعد متبادل للاتهامات؛ إذ زعمت إيران سابقًا أن الولايات المتحدة ضربت منشأة تحلية في جزيرة قشم في مضيق هرمز، ما أدى إلى انقطاع المياه عن 30 قرية. 

وردّ عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، بحدة عبر منصة إكس قائلًا: "أمريكا هي من وضع هذه السابقة، لا إيران. إن مهاجمة البنية التحتية الإيرانية خطوة خطيرة ذات عواقب وخيمة." وهكذا دخلت المياه رسميًا في قاموس المساومة الحربية.

أرقام توضح حجم الكارثة المحتملة

الأرقام وحدها تكفي لفهم حجم الرهان. فوفق دراسة نشرتها مجلة NPJ Clean Water عام 2026، تعمل حاليًا نحو 5000 محطة تحلية في منطقة الشرق الأوسط، تنتج ما يقارب 28.96 مليون متر مكعب من المياه يوميًا، أي ما يعادل 41.8٪ من الطاقة التحلية العالمية. 

وتتصدر المملكة العربية السعودية هذه المنظومة بحصة تبلغ 15.6٪ من الطاقة الإجمالية، بإنتاج يومي يصل إلى 10.8 مليون متر مكعب.

وتمتلك البحرين، ضحية الضربة الأخيرة، 103 محطات تنتج 0.83 مليون متر مكعب يوميًا، ولا تمتلك أي طبقات مياه جوفية طبيعية على الإطلاق. فضلًا عن محطاتها، تعتمد على أنبوب مياه يمتد من المملكة العربية السعودية، ما يعني أن الضربة طالت حلقة لا يمكن تعويضها بسرعة.

وعلى صعيد أشمل، يُصنَّف كل من البحرين والكويت وسلطنة عمان وقطر ضمن أشد خمس دول في العالم معاناة من الإجهاد المائي، وفق مؤشر AQUEDUCT Water Risk Atlas الصادر عن معهد الموارد العالمية. 

ولا تحوز منطقة الشرق الأوسط كلها سوى 2٪ فقط من المياه العذبة المتجددة في العالم، فيما تعاني 83٪ من مساحتها من شح مائي حاد. وتشير التقديرات إلى أن 100٪ من سكان المنطقة قد يواجهون ندرة حادة في المياه بحلول عام 2050، حتى في غياب الحرب.

البنية التحتية المكشوفة

تقول منات جاسبال، مديرة وزميلة برنامج المناخ والطاقة في مؤسسة أوبزيرفر للأبحاث في دبي: “محطات التحلية منشآت ثابتة ضخمة لا يمكن نقلها بسهولة ولا إصلاحها بسرعة، وكثيرًا ما تتجاور مع محطات توليد الكهرباء”. 

وتضيف: "أي ضرر أو اضطراب يمكن أن يفضي فورًا إلى نقص في الإمدادات، وبينما يمكن لناقلات المياه والمياه المعبأة تخفيف النقص مؤقتًا، فهذه بدائل محدودة ومكلفة".

وتشير إلى أن احتياطيات استراتيجية موجودة بالفعل، لكنها مصممة كحلول قصيرة الأمد لا بديلًا دائمًا. وهذه هشاشة هيكلية يعرفها المسؤولون جيدًا، لكنها لم تحظَ بأولوية دفاعية كافية في ظل عقود من الاستقرار النسبي.

ولفتت صحيفة The National، نقلًا عن بعض الخبراء، إلى بُعد إضافي بالغ الأهمية: "كثير من محطات التحلية الخليجية مرتبطة بشبكات الكهرباء، لذا حتى الهجمات القريبة — لا الهجمات المباشرة فقط — يمكنها تعطيل إنتاج مياه الشرب." ويبدو أنها ثغرة مزدوجة: اضرب الكهرباء، تجف المياه.

معضلة دول الخليج: الصمت أم المواجهة؟

يرسم عزيز الغشيان، الزميل غير المقيم في المنتدى الدولي للخليج، صورة معقدة لمعضلة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية؛ فالضربات على البنية التحتية المدنية مصممة لإحداث ضغط على الحكومات دون جرّها مباشرة إلى الحرب، مؤكدًا أن هناك "جهدًا حقيقيًا من دول مجلس التعاون لعدم الانزلاق إلى هذه الحرب".

لكن للصبر حدودًا؛ إذ يحذر الغشيان من أن "استمرار هجمات التحلية والبنية التحتية المدنية قد يدفع تدريجيًا نحو رد فعل". 

ويستحضر في هذا السياق سابقة تاريخية لافتة: حادثة حادثة إسقاط الطائرتين الإيرانيتين عام 1984 خلال حرب الخليج الأولى، حين أسقطت القوات الجوية الملكية السعودية طائرتين إيرانيتين من طراز F‑4 Phantom II اخترقتا الأجواء السعودية. ويضيف: "ليس من المستبعد تكرار ذلك. إنها عملية تصعيد، وهذا أمر مخيف".

القانون الدولي في مواجهة الواقع

تجدر الإشارة إلى أن القانون الإنساني الدولي يجرّم صراحة الاعتداء على البنية التحتية للمياه، فالمادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف تحمي صراحة منشآت مياه الشرب من الهجوم، وقد تشكل الضربات المتعمدة على هذه المنشآت جرائم حرب بموجب نظام روما الأساسي التابع لـالمحكمة الجنائية الدولية.

غير أن الهوة بين نص القانون وواقع الحرب تبدو سحيقة، لا سيما حين تحتدم المعارك ويتبادل أطرافها الاتهامات، وفي حين تنفي الولايات المتحدة أي ضربة على منشآت التحلية الإيرانية، تتمسك طهران بروايتها وتستخدمها مبررًا للردود.

استثمار ضخم في مرمى الخطر

بين عامي 2006 و2024، ضخت المنطقة نحو 53.4 مليار دولار في رأس مال قطاع التحلية، أي ما يعادل 47.5٪ من إجمالي الإنفاق العالمي في هذا القطاع خلال تلك الفترة.

كما يجري التخطيط لإضافة طاقة إنتاجية جديدة تبلغ 20.9 مليون متر مكعب يوميًا بين عامي 2024 و2028. كل هذا الاستثمار الهائل قد يصبح رهينة لصاروخ واحد أو طائرة مسيّرة تجد طريقها إلى المنشأة الصحيحة.

المياه كورقة ضغط أخيرة

وحين تصل الحرب إلى محطات تحلية المياه، فهي تصل إلى أكثر ما يخشاه الإنسان: العطش. وما بدأ كضربة "لم تخلّ بالتشغيل" — كما وصفتها وزارة الداخلية البحرينية — قد يُقرأ على أنه رسالة أولى لا ضربة أخيرة.

ودول الخليج اليوم أمام اختبار وجودي بامتياز، كيف تحمي شرايين حياتها المدنية في ظل صراع لا تريد الانجرار إليه، ولا تستطيع في الوقت نفسه الوقوف منه موقف المتفرج.