النائب محمد فؤاد: ندور في حلقة مفرغة اقتصاديًا.. و3 أزمات هيكلية تواجه الاقتصاد المصري تتمثل في تعبئة الموارد وبصمة الدولة والطاقة (حوار)
الدكتور محمد فؤاد، عضو مجلس النواب ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل في حوار لـ"الرئيس نيوز":
الدولة تنفق ما ليس لديها فتستدين.. والحديث عن الدين العام دون ضم الهيئات الاقتصادية "كلام غير سليم"
الحكومة تدور في حلقة مفرغة.. ورفع الدعم دون إصلاح الإنتاج سيضغط على المواطن
وحدة الموازنة هي بداية السيطرة على الدين العام
وزارة البترول تعمل يوميًا على إصدار بيانات صحفية لا تُترجم على أرض الواقع إلى إنتاج
استجواب وزير البترول أصبح في حوزة مكتب المجلس وهو صاحب قرار مناقشته
اختفاء وزارة قطاع الأعمال كان يجب أن يكون بخطة انتقالية لا بقرار مفاجئ
حذر الدكتور محمد فؤاد، عضو مجلس النواب ورئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، من استمرار ما وصفه بـ"الحلقة المفرغة" في إدارة الملف الاقتصادي، مؤكدًا أن تطبيق مفهوم "وحدة الموازنة" ما زال منقوصًا في ظل تشعب ملكية الدولة وتعدد الكيانات الاقتصادية خارج الإطار المباشر للموازنة العامة.
وقال فؤاد في حوار لـ"الرئيس نيوز"، إن الحديث عن الدين العام دون احتساب ديون الهيئات الاقتصادية "لا يستقيم"، مشيرًا إلى أن الدين الخارجي البالغ نحو 163 مليار دولار لا يقتصر على أجهزة الموازنة فقط، بل يشمل كيانات أخرى تتحملها الدولة بشكل أو بآخر.
وأضاف أن تراجع إنتاج الغاز وارتفاع تكلفة الاستيراد يعمقان الضغوط على الموازنة والدعم، محذرًا من أن رفع الدعم الكامل عن الوقود دون معالجة جذور الأزمة سيحمّل المواطن أعباء إضافية.

كنت من أوائل من نادوا بضرورة "وحدة الموازنة".. كيف تقيم تطبيق هذا المفهوم حاليًا؟
أعتقد أنني لا أتحدث عن أمر لا تتحدث عنه الحكومة نفسها، فقد كانت هناك لجنة تم تشكيلها تحديدًا بعد إقرار قانون الموازنة الموحد، وكانت تتحدث عن ضم الهيئات الاقتصادية إلى الموازنة من أجل تفعيل هذا القانون.
وربما من قبيل الصدفة أن الذي أُسندت إليه هذه المهمة هو الدكتور حسين عيسى، الذي أصبح حاليًا نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، فأعتقد أننا ما زلنا ندور في الإطار ذاته.
في البداية تم الحديث عن اختزال بعض هذه الهيئات الاقتصادية وضم بعضها إلى أن يتم ضمها داخل الموازنة، وأعتقد أن هذا أمر مهم لأسباب عديدة، لعل السبب الأول هو وحدة الدين، لأنه أصبح أمرًا غريبًا جدًا أن نتحدث عن الدين العام، خاصة في ظل التوجه نحو الحديث عن مؤشرات الدين العام التي تشمل فقط دين أجهزة الموازنة، وهذا كلام غير سليم.
فعندما نتحدث على سبيل المثال عن الدين الخارجي فنقول إن دين مصر الخارجي، أو ما يُعرف بالدين السيادي الخارجي، يبلغ 163 مليارًا، دين أجهزة الموازنة منه 80 مليارًا فقط، فهناك 83 مليارًا مع الهيئات الاقتصادية الأخرى والأجهزة الأخرى والبنوك، فهذا أمر لا يستقيم، ولذلك فإن فكرة وحدة الموازنة هي بداية الطريق نحو السيطرة على الدين العام.
هذه الفكرة ليست موجودة أو غير مطبقة على أرض الواقع؟
هناك محاولات، وقد تم بالفعل تشكيل لجنة لهذا الغرض، وكان الدكتور حسين عيسى منوطًا بهذه المهمة، وأعتقد أن المهمة ازدادت تعقيدًا بعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام، فأصبح لدينا إشكالية كبيرة فيما يُعرف بملكية الدولة، فملكية الدولة أصبحت متشعبة.
لدي ملكية الدولة في قطاع الأعمال العام، ولدي ملكية الدولة في بنك الاستثمار القومي، ولدي ملكية الدولة في الصندوق السيادي، ولدي ملكية الدولة في الأجهزة الأخرى مثل جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة.
فأصبح لدينا تشعب كبير جدًا في ملكية الدولة. أنا لا أرى أن ملكية الدولة من المحرمات أو أمرًا مذمومًا بشكل عام، لكن يجب أن يتم ضبطها، يجب أن أكون على علم ببدايتها ونهايتها.
وأنا مؤمن بفكرة المالك الواحد أو المالك الأوحد حتى لا يكون هناك تشرذم، لأن هذا التشرذم، خاصة إذا كانت الميزانية العامة تتحمل تبعات ديونه، فسيكون لدينا مشكلة.
هل نجحت الحكومة الآن في تغيير صياغة أولوياتها أم أنها تدور في حلقة مفرغة؟
لا طبعًا، تدور في حلقة مفرغة بجدارة أيضًا، لأن الفكرة ليست فكرة أولويات، بل هي فكرة إعادة إنتاج النموذج الاقتصادي نفسه.
المجموعة الاقتصادية تغيرت في التعديل الحكومي الأخير.. فهل سيؤثر ذلك على فلسفة العمل الاقتصادي أم مجرد تغيير في الأشخاص والأسماء؟
كنت أتمنى في الحقيقة ألا ينعكس ذلك، لأنني في الفترة الأخيرة، وسأتحدث على المستوى الشخصي، منذ نحو شهر فبراير من العام الماضي، عندما تشكّلت المجموعة الاقتصادية لرئيس الوزراء، بدأنا نتحدث أولًا عما له علاقة بالحروب التجارية، وإرشادات الدولة للتعامل معها كحكومة.
ثم في منتصف العام بدأ الحديث عن السردية الوطنية، بدأت تتشكل مجموعات عمل، وكنت ضمن إحدى هذه المجموعات، خاصة بالاستثمار العام وملكية الدولة.
عملت مع الدكتور أحمد جلال، والدكتور مدحت نافع، والدكتور هاني جنينة، والدكتور ياسر صبحي، نائب وزير المالية، عملنا على السردية الوطنية، الإصدار الأول، ثم أعقبناه بالإصدار الثاني، وكنت أظن أننا أمام رؤية جيدة جدًا للتخطيط في مصر، لذلك لا أرى أننا مضطرون إلى إعادة اختراع العجلة كل فترة.
ربما يكون للحكومة الجديدة، في رأيي، هدف أساسي، خاصة بعد إلغاء وزارة قطاع الأعمال، وتحديدًا في اللجنة القائمة التي تضم مساعد رئيس الوزراء الدكتور هاشم السيد، وفكرة التناغم بين طروحات شركات قطاع الأعمال العام، وبنك الاستثمار القومي، والصندوق السيادي.
وهذه النقطة تتلخص في فكرة السيطرة على ملكية الدولة، ثم الجزء الثاني هو فكرة تقطير دور التخطيط بشكل عام، لقد أنجزنا عملًا خلال ستة أو سبعة أشهر قبل التعديل الوزاري، لذلك أتمنى ألا نبدأ من جديد.
هل تتمنى أن تستمر المجموعة التي كانت تعمل؟
لا يهمني الأشخاص، الذي يهمني هو الفكر.
كيف تقيم التنسيق الحالي بين وزارات «المالية» و«الاستثمار» و«الصناعة»؟.. وهل هناك رؤية موحدة لتعظيم الموارد الذاتية بعيدًا عن بيع الأصول؟
نعم بالطبع، دعنا أولًا إذا أردنا أن نعود قليلًا إلى الوراء، سأقول لك إن هناك ثلاث مشكلات أساسية موجودة في مصر، فإذا تحدثنا عن المشكلات الاقتصادية الهيكلية الموجودة في مصر فهي ثلاث مشكلات.
المشكلة الأولى هي مشكلة تعبئة الموارد، فمصر دولة لديها طموحات كبيرة، ولدى القيادة السياسية طموحات كبيرة، وهذه الطموحات أكبر بكثير جدًا من إيرادات الدولة، وبما أنها أكبر من إيرادات الدولة، فإن الدولة تنفق ما ليس لديها فتستدين.
مثلما يكون راتبك عشرة آلاف جنيه، لكنك تطمح إلى مستوى معيشة يكلفك ثلاثين أو أربعين ألف جنيه شهريًا، فتضطر إلى الاستدانة، ثم تجد نفسك فجأة في أزمة، هذا ما قامت به مصر.
مصر لديها مشكلة تعبئة موارد، وما يزيد من تفاقم مشكلة تعبئة الموارد في مصر أن اللاعب الأساسي في الاقتصاد هو الدولة نفسها، والدولة غير دافعة للضرائب، والدولة مُشغل غير كفء، لذلك فهذه هي المشكلة الثانية، فأنت لديك بصمة دولة كبيرة.
ثم المشكلة الثالثة، التي بدأت تتزايد في الأيام الأخيرة، وهي مشكلة الانكشاف على الطاقة، لأن الطاقة من أكبر مستنزفات الدولارية في مصر، فالطاقة تكلف كل سنة نحو واحد وعشرين مليار دولار، بما يوازي تريليون جنيه من الموازنة، من أجل استيراد الغاز والنفط والسولار والمازوت.
هذه هي المشكلات الثلاث الأساسية في مصر، وهي تعبئة الموارد، وبصمة الدولة، وانكشاف الطاقة، ومن ثم يجب أن يكون التنسيق على هذه المشكلات الثلاث باعتبارها مشكلات هيكلية ينبغي العمل عليها.
فكرة تعبئة الموارد تأتي من وزارة المالية عبر العمل على إصلاح ضريبي، لكن الإصلاح الضريبي لا يعني تحميل المواطن كل شيء، لأن المشكلة في مصر أن الإصلاح الضريبي، أو الضرائب نفسها، تعتمد في معظمها على ضرائب الاستهلاك، أي الضرائب غير المباشرة، وليست ضرائب أعمال.
أي أن المواطن عندما يشتري سلعة يُؤخذ منه نحو خمسين في المئة تقريبًا ضرائب استهلاك، وهذا رقم كبير جدًا، فلا توجد ضرائب تشغيل لأن فرص العمل نفسها محدودة، وبالتالي لا يوجد ما يُفرض عليه ضرائب، وهذا واضح أيضًا من استخدامات الأموال، فإذا نظرت إلى البنوك ستجد أن ثلاثين في المئة فقط من أموالها موجهة إلى القطاع الخاص، بينما سبعون في المئة موجهة إلى الحكومة، فهذا نموذج يحتاج إلى أن ينكسر، أي تحتاج الحكومة أن تقرر أن تتحرك في الجزء الثاني من المشكلات، وهو مشكلة بصمة الدولة الثقيلة، وأن تخفف هذه البصمة قليلًا.
تقدمت باستجوابات ومطالبات حول قطاع البترول.. ما هي أبرز ما تطالب به في هذا الاستجواب، وهل تتوقع أن يُناقش داخل المجلس أم لا؟
أظن أنني في الديباجة الأولى التي ذكرتها تحدثت عن المشكلات الهيكلية الثلاث، والاستجواب يتناول واحدة منها، وهي الطاقة.
أنا لم أبتعد يومًا عن هذا الطرح، فمنذ عام 2023 وأنا أكتب وأتحدث عن أن الطاقة مشكلة، وأن إدارة الملف ليست إدارة جيدة، وأن المعلومات المتداولة في هذا الموضوع ليست سليمة، ووزارة البترول منذ عامين دأبت على إصدار البيانات الصحفية، حتى إنني في أحد مقالاتي أطلقت عليها وزارة الإعلام حاليًا، البترول سابقًا، لأنها تعمل يوميًا على إصدار بيانات صحفية لا تُترجم على أرض الواقع إلى إنتاج.
إذا تابعنا التصريحات، بما فيها تصريحات رئيس الوزراء نفسه، سنجد أنه قال في عام 2023 إن مصر ستكتفي ذاتيًا، وهو تصريح أصبح الناس يتداولونه على سبيل المزاح ويصنعون عنه صورًا ساخرة، لكن ذلك لم يحدث.
وفي عام 2024 عندما قيل إن الإنتاج سيصل إلى خمسة مليارات ونصف المليار قدم مكعب من الغاز، لم يحدث ذلك، وعندما قال وزير البترول في ديسمبر 2024 إنه سيزيد الإنتاج مليار قدم مكعب، لم يحدث.
وعندما قيل إن خططًا عُرضت على القيادة السياسية في يناير وفبراير ومارس، بما فيها عرض قُدم أمام رئاسة الوزراء في السابع عشر من مارس، فإن النتائج المعلنة لم تتحقق على أرض الواقع، وقلنا إننا سنفعل كذا وكذا، ومع ذلك لم يحدث.
متى تقف المسؤولية إذًا؟.. أم أننا من المفترض أن نستمع إلى بيانات صحفية فحسب؟
إلى درجة أن زميلي حسين هريدي قدم مؤخرًا طلب إحاطة لهذا السبب، لقد توقفنا حتى عن نشر البيانات، ولأول مرة منذ بدء الخليقة لا تنشر مصر بياناتها على منصة جودي، وهي المنصة المشتركة التي تنشر عليها الدول إنتاجها من النفط والغاز.
ولم يُنشر إنتاج الغاز الشهر الماضي، وأصبح إنتاج البترول غير منشور منذ أربعة أشهر.
هل معنى ذلك أننا نسير بشكل جيد؟
هل هناك جهة تعمل بكفاءة تتوقف عن نشر إنتاجها؟.. نحن في أدنى مستوى، أقل من أربعة مليارات قدم مكعب من الغاز، وهذا مستوى خطير للغاية.
هل تتوقع أن يناقش مجلس النواب استجوابك قريبًا؟
هذا الأمر أصبح في حوزة مكتب المجلس، وهو الذي يقرر ما الذي يريد فعله، لكن من وجهة نظري، قدّمت استجوابًا كاملًا مدعومًا بكل المستندات الممكنة.
الاتهامات السياسية فيه واضحة وصريحة، والبيانات على أرض الواقع تؤكد ذلك، لدينا لجنة طاقة، ولا أرى سببًا لعدم مناقشته، حتى لو اعتُبر غير مستوفٍ، فأنا معتاد على السوابق البرلمانية.
في عام 2016 قدّمت استجوابًا وطُلب مني استكمال نقاط محددة، ولم يصلني هذه المرة ما يفيد بوجود نواقص ينبغي استكمالها، ومع ذلك تواصلت مع رئيس المجلس ومع الوكيلين، وقلت لهم إنني مستعد لاستكمال أي شيء بكل أمانة، ولم أتلق ردًا بعد.
عادة عندما يُراد مناقشة أمر ما يُناقش على الفور، عمومًا لا مشكلة لدي، إذا لزم الأمر سأعيد تقديمه مرة أخرى، أنا لا أتحدث عن أمور مرسلة، بل عن وقائع مدعومة بأوراق ومستندات لا تقبل الجدل، ولسنا أمام رأي شخصي، بل أمام وقائع محددة، وفي التوقيت ذاته لم يحدث كذا.
هل ترى أن رفع الدعم الكامل عن الوقود نهاية عام 2026 ضروري ضمن خطط الإصلاح، أم أنه قد يؤثر سلبًا على الاقتصاد في ظل التضخم الحالي؟
سأعيدك مرة أخرى إلى موضوع الاستجواب، لأن الأمر في الأساس كان يمكن تفاديه لو كان الإنتاج يسير بالوتيرة التي تسمح بذلك، سأذكر رقمًا بسيطًا وهو تكلفة مليون وحدة حرارية من الغاز كانت أربعة دولارات.
الآن، بعد تراجع الإنتاج المحلي إلى نحو النصف، أصبحت تكلفة المليون وحدة حرارية ثمانية دولارات، أي الضعف، وعندما تتضاعف التكلفة لا يمكنك الاستمرار في الدعم بالشكل نفسه، لكن في المقابل لا تملك اكتفاءً ذاتيًا يسمح لك بالتحرك بسهولة، وبالتالي سيتحمل المواطن العبء.
المشكلة عندي ليست في الوقود فقط، بل في الكهرباء، لأن تكلفة الكهرباء أعلى بكثير مما يدفعه المواطنون حاليًا، وإذا كُشف جزء من التكلفة الحقيقية فسيكون الأمر صعبًا للغاية.
لو كنت في موقع المسؤولية التنفيذية الآن.. ما القرارات التي ستتخذها لتفكيك الاشتباكات المالية بين أجهزة الدولة؟
نحن بحاجة أولًا إلى جلسة واضحة نتفق فيها على دور الدولة في الاقتصاد، فهذا أمر بالغ الأهمية، ثم نحتاج إلى الالتزام بمؤشرات أداء واضحة وطبيعية، لذلك كنت مقتنعًا بالعمل الذي أُنجز في السردية الوطنية، لأنه وضع إطارًا يمكن البناء عليه دون الحاجة إلى البدء من الصفر في كل مرة.
ربما كان هذا أفضل عمل أُنجز في التخطيط منذ أيام الدكتور أشرف العربي، فقد كنت أراه عملًا جيدًا جدًا، ويمكن من خلاله وضع التخطيط في موقعه الصحيح بحيث يضبط بوصلة الأداء الاقتصادي ويتحول بالفعل إلى وزارة اقتصاد، فأتمنى أن الوزير الدكتور رستم لا يترك هذا الدور.
هل كنت ضد قرار إلغاء وزارة قطاع الأعمال؟
لا على الإطلاق، بل أنا متفهم للقرار، ولا أريد أن أقول إنني مقتنع به تمامًا، لكنني متفهمه.
مشكلتي الوحيدة مع وزارة قطاع الأعمال، والتي كانت قائمة مع كل المسؤولين السابقين، أن هذه الوزارة كان يجب أن يأتيها وزير يؤدي صلاة مودّع، أي أن توضع لها خطة محددة لتختفي خلال ثمانية عشر شهرًا مثلًا.
ما حدث أننا بدأنا منذ الوزير هشام توفيق عندما أجرى تعديلات على قانون 2003، وكنت عضوًا في المجلس آنذاك عام 2019، وهو قانون قطاع الأعمال العام، ثم جاء بعده الدكتور محمود عصمت، وعمل جيدًا في جانب تطوير الشركات إنتاجيًا، ثم جاء الوزير الأخير، ولم أفهم تحديدًا ما الذي قام به، مع أنه كان من المفترض أن يعمل على تأهيل قطاع الأعمال ليختفي تدريجيًا.
كنت أتصور أن جزءًا منه سيُطرح، وجزءًا سيستوعبه الصندوق السيادي، لكن ذلك لم يحدث، وبدا الأمر وكأننا قطعناه فجأة دون معالجة، كأننا قلنا إننا لا نعرف كيف نتصرف فيه فأنهيناه سريعًا.
كان يمكن التعامل معه بشكل مختلف، ومع ذلك لست مختلفًا كثيرًا على أن ما آل إليه كان إلى الزوال، لكن على الأقل كان ينبغي أن نعرف إلى أين ستذهب هذه الكيانات، والآن نحن في وضع غريب، وأتمنى ألا تعود الشركات مرة أخرى إلى داخل الوزارات، كأن يعود القطاع العقاري إلى الإسكان والقطاع الصناعي إلى الصناعة.
هذا يعيدنا إلى نموذج الستينيات، ويشتت فكرة المالك الواحد أو المالك الأوحد، ويدخل كل شركة داخل الوزارة، فالوزير يفترض أن يكون وزيرًا سياسيًا يدير سياسة عامة، لا مدير نشاط إنتاجي، فإذا أصبح مسؤولًا عن قطاع إنتاجي داخل وزارته، فسيجد نفسه منشغلًا بالمصانع والعمال بدلًا من إدارة السياسات.
وبدلًا من وجود وزير واحد لقطاع الأعمال، سنجد خمس أو ست وزارات منشغلة بإدارة شركات، وهذا ليس المطلوب.
الصفقات الاستثمارية مثل رأس الحكمة.. كيف نحولها إلى تدفقات استثمارية مستدامة لا مجرد بيع أصول؟
هنا تكمن المشكلة التي تحدثت عنها، وهي تضخم دور الدولة حتى أصبحت المستثمر والمشغل الأوحد، فأصبح أي تغيير يتم عبر صفقات استثنائية، وهذا أمر عجيب.
سياسة الإدارة بالصفقة والمفاجآت تهمّش الإدارة الرشيدة المستقرة، وتجعلنا دائمًا في حالة صفقات إنقاذ، وهذا لا يصنع نموذجًا اقتصاديًا سليمًا، ولن تأتي صفقة بحجم رأس الحكمة كل مرة.
كان لك رأي واضحًا بشأن ما أطلق عليه اقتراح المقايضة الكبرى.. هل يمكنك توضيح أسانيدك لنقده؟
كتبت مقالًا كاملًا عن هذا الأمر في 28 ديسمبر 2024، قبل أن يُطلق عليه هذا الاسم، وأوضحت حينها أن هذا الطرح لا يستقيم اقتصاديًا، وقلت إنها أفكار في بداياتها، وربما أغضب ذلك البعض، لكنني عبرت عن رأيي بأن النموذج يحتاج إلى رؤية أعمق وأشمل.
لكن عندما أجد أي أستاذ من أساتذتي الكبار يتحدث في الموضوع بالمنطق نفسه، مثل الدكتور يوسف بطرس غالي، والدكتور أبو العيون محافظ البنك المركزي الأسبق، وكذلك الأستاذ هشام عز العرب، والدكتور محمود محيي الدين، فهؤلاء جميعًا ليسوا أشخاصًا عاديين.
وقد أعجبتني جدًا كلمة قالها الدكتور يوسف بطرس غالي، إذ قال: عندما أرى فكرة لم يفكر فيها أحد من قبل، فهذا لا يعني بالضرورة أنها فكرة جيدة، وأنا أرى أن هذا الكلام يعزز فكرة اقتصاديات اللقطة.
كما أعجبني تصريح للدكتور محمد فريد وزير الاستثمار قاله منذ يومين، إذ أكد أنه لا توجد عصا سحرية لحل المشكلات الاقتصادية، وأنا أتفق معه تمامًا.
لا توجد عصا سحرية، فالمشكلات الهيكلية لا تُحل بحلول وقتية، لأن الحلول الوقتية تشبه إغلاق الصنبور قليلًا بينما المصرف مفتوح، فتعود المشكلات من جديد.
إذا كنت ستنصح الدكتور مصطفى مدبولي نصيحة صريحة وسياسية، فبماذا تنصحه؟
أن يسير على خطة واضحة، فببساطة قد يبدو هذا الكلام مملًا للبعض، لكن لا توجد حلول بلا تخطيط وبلا إدارة تعتمد على مؤشرات أداء ومستهدفات، ولا يمكن أن تجد نفسك في مأزق ثم تبحث عن حل خارج الصندوق.
أنا لا أقصد التخطيط بمعنى الاجتماعات فقط، بل التخطيط الطبيعي الذي يبتعد عن اللقطة، ويعتمد على مستهدفات مترابطة وخطط واضحة لتحقيقها، أي إدارة الأمور بشكل طبيعي، لكن المؤكد أننا لا ينبغي أن نبحث دائمًا عن حلول استثنائية لأننا في مأزق، ولكن لسنا في مأزق كامل، بل لدينا فرصة جيدة.
فالاقتصاد الكلي ليس سيئًا حاليًا، لكن ذلك يعود في جزء كبير منه إلى الظروف الخارجية المواتية، وإذا تغيرت هذه الظروف فقد نعود إلى أزمات أعوام 2021 و2022، فلدينا اعتماد كبير جدًا على الظروف الخارجية، فإذا ارتفعت معدلات التضخم عالميًا أو زادت أسعار الفائدة، تتراجع التدفقات النقدية إلينا.
لدينا نحو خمسين مليار دولار من الأموال الساخنة، ونشعر بالاطمئنان بسببها، لكنها يمكن أن تغادر سريعًا إذا حدثت أزمات عالمية معقدة مثل كورونا أو الحرب الأوكرانية، صحيح أن هذه الأزمات أثرت علينا، لكن هناك دولًا في المنطقة لم تتأثر بالقدر نفسه، فنحن نتأثر لأن اقتصادنا هش، وهذه هي المشكلة الحقيقية التي يجب التعامل معها بجدية.





