الإثنين 02 فبراير 2026 الموافق 14 شعبان 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
اقتصاد مصر

مصر تعتزم تصدير 3.2 مليار قدم مكعب من الغاز إلى الأسواق الأوروبية

الرئيس نيوز

ذكرت صحيفة كاثمريني اليونانية أن مصر تعزز بصمتها وتوسع حضورها في سوق الطاقة الأوروبية، عبر الاستعداد لتصدير 3.2 مليار قدم مكعب من الغاز، في إطار مجموعة من الصفقات التي تعيد تشكيل المشهد العام في الأسواق.

وتواصل مصر تثبيت موقعها كلاعب محوري في سوق الطاقة العالمية، مع تحرك عملي جديد لتصدير نحو 3.2 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية، في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لأمن الطاقة في القارة العجوز. 

هذه الخطوة لا تعكس فقط قدرة القاهرة على الوفاء بالتزاماتها التصديرية، بل تكشف أيضًا عن إدارة أكثر براجماتية لملف الطاقة، تقوم على تعظيم الاستفادة من البنية التحتية القائمة، وتسوية التزامات مالية متراكمة، وتهيئة السوق لجذب استثمارات إضافية في قطاع الغاز.

شحنة يناير: تفاصيل تعكس الجدية

وأعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية تصدير شحنة جديدة من الغاز الطبيعي المسال خلال يناير الماضي لصالح شركة شل، انطلقت من مجمع إدكو لتسييل الغاز. الشحنة، التي بلغت نحو 150 ألف متر مكعب، نُقلت على متن الناقلة “Methane Bekki Anne” متجهة إلى أحد الموانئ التركية، في إطار خطة أوسع لتكثيف الصادرات خلال الفترة الحالية.

ولفتت الصحيفة إلى أن هذه الشحنة ليست حدثا منفصلا، بل تأتي ضمن سلسلة شحنات تهدف إلى تنفيذ التزامات مصر تجاه شركائها الأجانب، بما يعزز ثقتهم في السوق المصرية ويدفعهم إلى زيادة استثماراتهم في أنشطة البحث والإنتاج. 

في الوقت نفسه، تسهم هذه الصادرات في رفع كفاءة تشغيل محطات التسييل المصرية، التي تمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية في شرق المتوسط.

اتفاق 3.2 مليار قدم مكعب: أبعاد مالية واقتصادية

وكشفت مصادر بقطاع البترول أن الحكومة توصلت إلى اتفاق لتصدير نحو 3.2 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية لصالح شركتي شل وبتروناس. 

ووفقا لهذه الترتيبات، تتراوح القيمة التقديرية للصفقة بين 40 و45 مليون دولار، تسدد بالكامل لصالح الشركاء الأجانب، في إطار تسوية جزء من مستحقاتهم المتراكمة على مدار سنوات.

في المقابل، تحصل الحكومة المصرية على حصص هذه الشركات من الغاز المنتج محليا، وهو ما يخفف الضغط على ميزان المدفوعات، ويمنح الدولة مرونة أكبر في إدارة مواردها. هذا النموذج يعكس تحولا في طريقة إدارة الملف، حيث توظف القاهرة الصادرات ليس فقط لتحقيق إيرادات، بل أيضًا لمعالجة اختلالات مالية تاريخية في قطاع الطاقة.

صادرات مستمرة منذ أكتوبر

التحرك الأخير لا يمثل بداية التصدير، بل امتدادًا لمسار بدأ بالفعل منذ أكتوبر الماضي، عندما غادرت ناقلة الغاز “New Nature” محطة إدكو محمّلة بنحو 155 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، متجهة إلى إيطاليا لصالح شل العالمية. هذا الانتظام في الشحنات يعكس قدرة تشغيلية مستقرة، ويعزز صورة مصر كمورد يمكن الاعتماد عليه في أوقات التقلب.

وجاءت هذه الصادرات بالتوازي مع توقيع اتفاقات جديدة هذا الشهر لتوريد الغاز إلى سوريا ولبنان، ما يعكس اتساع دائرة التحركات المصرية إقليميًا، واستخدام الغاز كأداة اقتصادية وسياسية في آن واحد.

إدارة فائض الشتاء والاستعداد للصيف

وتستعد الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيجاس) لبدء ضخ الكميات المتفق عليها إلى مجمع إدكو خلال أيام، تمهيدا لتسييلها وإعادة تصديرها. وتعمل الشركة حاليًا على تنسيق موعد التصدير النهائي مع الشركتين، مع السعي لتأمين شحنات إضافية خلال الفترة المقبلة.

ويستند هذا التوجه إلى فائض ناتج عن تراجع استهلاك محطات الكهرباء التقليدية خلال فصل الشتاء، والذي يتراوح بين 600 و700 مليون قدم مكعب يوميًا. هذا الفائض يمنح مصر فرصة لتعظيم الصادرات دون الإضرار بتلبية احتياجات السوق المحلي، مع وضع هدف واضح يتمثل في تأمين الطلب الداخلي قبل دخول موسم الصيف.

مفارقة الاستيراد والتصدير

رغم هذه الصادرات، تكشف البيانات عن مفارقة لافتة في سوق الغاز المصري. فقد ارتفعت قيمة واردات مصر من الغاز الطبيعي المسال إلى نحو 7.2 مليار دولار خلال أول عشرة أشهر من العام الماضي، مقارنة بنحو 3.85 مليار دولار خلال الفترة نفسها من 2024، بزيادة تقارب 87 في المئة.

وجاءت هذه القفزة نتيجة تضاعف عدد الشحنات المستوردة، والتي بلغت ذروتها خلال الصيف عند نحو 18 شحنة شهريًا، مقابل 5 إلى 7 شحنات فقط في صيف 2024. في المقابل، سجلت صادرات الغاز الطبيعي نحو 238 مليون متر مكعب في نوفمبر، مقارنة بـ236 مليون متر مكعب في أكتوبر، وفق بيانات المنظمات المشتركة.

بين الطموح والواقع

هذه الأرقام تعكس معادلة دقيقة تحاول القاهرة إدارتها: التصدير لتعظيم العائدات وتسوية الالتزامات، مقابل الاستيراد لضمان استقرار السوق المحلي في فترات الذروة. النجاح في هذه المعادلة سيحدد ما إذا كانت مصر قادرة فعليًا على ترسيخ دورها كمركز إقليمي لتجارة الغاز، أم ستظل تتحرك بين هوامش الفائض والعجز.

وأشارت الصحيفة اليونانية نقلا عن خبراء إلى أن تصدير 3.2 مليار قدم مكعب من الغاز إلى أوروبا ليس مجرد خطوة فنية في قطاع الطاقة، بل جزء من إعادة صياغة دور مصر في سوق يتغير بسرعة. القاهرة تستثمر فائض الشتاء، وتسوي ديون الماضي، وتفاوض على موقع ومكانة في المستقبل. 

وبينما ترى أوروبا في الغاز المصري عنصر أمان إضافي، ترى مصر في هذه الشراكة فرصة لإعادة ترتيب أوراقها الاقتصادية والجيوسياسية.