جدل واسع حول شهادة جيروم باول أمام الكونجرس والضغط على سياسة الفائدة الأمريكية
في منعطف خطير على الساحة الاقتصادية الأمريكية والعالمية، اجتذب بيان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول أمام الكونجرس في يونيو 2025 أكثر من 50 مليون مشاهدة خلال ساعات عبر الشبكات الإخبارية ووسائل التواصل، في مؤشر على مدى الهواجس الاقتصادية والسياسية التي أثارتها تصريحاته حول مسار السياسة النقدية وأسعار الفائدة، وسط تزايد الضغوط السياسية التي يمارسها الرئيس دونالد ترامب تجاه البنك المركزي والتي تهدد استقلال قرار الاحتياطي الفيدرالي والدولار الأمريكي كعملة احتياط عالمي.
وتتسع دائرة الجدل الآن حول تحقيق جنائي بدأته وزارة العدل الأمريكية حول شهادة باول في جلسة الكونجرس، وليس بتمويل وتجديد مقر الفيدرالي في واشنطن، بتكلفة إجمالية تقدر بـ 2.5 مليار دولار، ويصر باول على أن هذا التحقيق غير فني ومسيس على الأرجح
وأشارت شبكة سي إن بي سي نيوز إلى أن التحقيق مع رئيس مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، يشمل اتهامات بالإدلاء بمعلومات غير دقيقة، ما دفع مكتب المدعي الأمريكي في مقاطعة كولومبيا إلى إصدار مذكرات استدعاء قانونية تستهدف باول ومسؤولين آخرين في مبادرة غير مسبوقة تطال رئيس البنك المركزي الأمريكي.
شهادة باول أمام الكونجرس: لماذا أثارت هذه الزوبعة؟
في جلسة الشهادة أمام لجنة الخدمات المالية في مجلس النواب في 24–25 يونيو 2025، أكد باول أن هدف الاحتياطي الفيدرالي ليس خفض أسعار الفائدة بشكل فوري، بل الحفاظ على استقرار الأسعار ومراقبة تأثير التعريفات الجمركية والضغوط التضخمية على الاقتصاد الأمريكي. وأوضح أن البنك يفضل الانتظار حتى تتضح بيانات الاقتصاد قبل أي تعديل جذري في السياسة النقدية، في ظل ارتفاع التضخم فوق مستوى الهدف البالغ 2% الذي يسعى الفيدرالي لتحقيقه، وفقا لموقع البنك المركزي على الويب.
كما شدد باول على أن سوق العمل لا يزال قريبًا من التوظيف الكامل وأن أي خفض “مبكر” للفائدة قد يعيد التضخم إلى مستويات غير مرغوبة، في وقت يشهد الاقتصاد تباطؤًا طفيفًا في نمو الوظائف وسط توقعات متفاوتة بشأن البيانات القادمة.
وكانت تلك الشهادة، التي بثت مباشرة على شاشات الأخبار العالمية، قد جاءت بعد عدة جولات من محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لممارسة ضغط مباشر على الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة بهدف تحفيز النمو الاقتصادي قبل الانتخابات المقبلة، وهو ما قابله باول برفض حاسم مبدئيًا، مما أضاء شرارة صراع بين السلطة التنفيذية والبنك المركزي حول مستقبل السياسة النقدية.
آثار فورية على الأسواق: الدولار والذهب والعملات
ردا على تلك التطورات، عكست الأسواق تحركا مفاجئا في تحركات العملات والأصول:
سجل الدولار الأمريكي تراجعات حادة مقابل العملات الرئيسية في ذروة التقلبات التي تلت شهادة باول وتصاعد احتمال تدخل سياسي في سياسة الفائدة.
وبالتالي، ألقى مؤشر الدولار وضعف الدولار أمام اليورو والين بظلاله على الأسواق، في حين ارتفع الطلب على الذهب كملاذ آمن مع تزايد المخاوف بشأن استقلالية السياسة النقدية، وتداولت الأسواق المعدن الثمين أعلى من 4620 دولار للأوقية خلال جلسة أمريكا الشمالية، أمس الإثنين، في مستهل تعاملات الأسبوع الجديد.
وتتجاوز بعض تقديرات الأسواق توقعات بأن الذهب قد يشهد مستويات قياسية تتراوح بين 4،000–5،000 دولار للأونصة مع استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي، في مؤشر على تحول المستثمرين نحو الأصول غير المرتبطة بالسياسة النقدية الأمريكية.
السياسة النقدية تحت المجهر: الفائدة وتأثيرها على الاقتصاد
في عام 2025، قرر الاحتياطي الفيدرالي تثبيت سعر الفائدة الأساسي في نطاق 4.25%–4.50% على مدى خمس اجتماعات، رغم الضغوط السياسية المتزايدة لخفضها.
هذا الموقف المتريث القائم على البيانات جاء استجابة للتضخم الذي ظل أعلى من الهدف، ولرغبة البنك في عدم تكرار أخطاء سياسة نقدية سابقة أدت إلى مستويات تضخم مرتفعة، لكن موقف الفيدرالي أثار حفيظة الرئيس الأمريكي الذي يسعى لخفض معدلات الفائدة مهما كلفه الأمر.
وأشار الخبراء إلى أن أسعار الفائدة المرتفعة لها تأثير مباشر على تكاليف الاقتراض للمستهلكين والشركات، ما يؤثر على الإنفاق والاستثمار في الاقتصاد الحقيقي، كما يمكن أن يبطئ النمو إذا استمر لفترة طويلة.
هذا التعقيد يجعل من قرارات الفيدرالي موضوعا حاسما يتطلب توازنا دقيقا بين مكافحة التضخم ودعم النشاط الاقتصادي.
استقلالية البنك المركزي على المحك
يشير المحللون إلى أن التهديدات القانونية والسياسية ضد باول قد تستخدم كوسيلة للضغط على الاحتياطي الفيدرالي للتراجع عن موقفه بشأن الفائدة، مما يفتح بابا واسعا للنقاش حول استقلالية البنك المركزي وحماية الاقتصاد الأمريكي من التدخلات السياسية في قرارات السياسة النقدية، وفقا لمجلة تايم.
وتعالت الأصوات الدولية أيضا، حيث عبر رؤساء سابقون للاحتياطي الفيدرالي ومسؤولون اقتصاديون، أبرزهم جانيت يلين وزيرة الخزانة السابقة، عن قلقهم من أن أي تآكل في استقلالية البنك المركزي الأمريكي قد يقوض الثقة بالدولار والاقتصاد الأمريكي على المدى الطويل، ما قد يدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم الاستثمارية بعيدا عن الأصول الأمريكية.





