الإثنين 12 يناير 2026 الموافق 23 رجب 1447
رئيس التحرير
شيماء جلال
عاجل
عرب وعالم

الرئيس اللبناني يحسم ملف احتكار الدولة للسلاح: أي صيغة أخرى عبء على الدولة

الرئيس نيوز

في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، اختار الرئيس اللبناني جوزيف عون أن يضع النقاط على الحروف في واحد من أكثر الملفات تعقيدا في تاريخ الدولة اللبنانية الحديث وهو ملف حصرية السلاح بيد الدولة. لم يكن كلامه، في الذكرى الأولى لتسلمه مهامه، مجرد توصيف عابر أو رسالة موجهة للخارج، بل إعلان موقف حاسم يعكس توجها رسميا واضحا نحو إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، ومؤسساتها، وسيادتها الكاملة على أرضها وقرارها.

أكد الرئيس عون بوضوح أن “السلاح انتهت مهمته”، وأن بقاءه خارج إطار الدولة “أصبح عبئا على البلاد”، بل وعلى البيئات الحاضنة له. هذه العبارة، في سياقها اللبناني المعروف، تحمل دلالات سياسية وأمنية عميقة، إذ تخرج النقاش من دائرة التبرير التاريخي أو الظرفي، وتضعه في إطار المصلحة الوطنية الشاملة، بعيدًا من منطق الاصطفافات والمحاور، وفقا لقناة فرانس 24.

حصرية السلاح… خيار داخلي لا إملاء خارجي

يصر الرئيس اللبناني على أن مبدأ حصرية السلاح ليس مطلبا دوليا يفرض على لبنان من الخارج، بل هو نص دستوري وسياسي ورد صراحة في اتفاق الطائف، الذي شكل أساس إعادة بناء الدولة بعد الحرب الأهلية. 

ومن هذا المنطلق، شدد عون على أن قرار السلم والحرب يجب أن يكون حصرا بيد الدولة، معتبرا أن أي صيغة أخرى تبقى السلاح خارج المؤسسات الشرعية تضعف الدولة وتحولها إلى كيان عاجز عن حماية نفسه أو ضبط حدوده.

وفي هذا السياق، أوضح أن قرار حصرية السلاح اتخذ داخل مجلس الوزراء، وأن الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، ضمن الإمكانات المتاحة والظروف القائمة. كلامه هذا يعكس محاولة متوازنة للجمع بين الحزم السياسي والواقعية الميدانية، بعيدًا من الشعارات أو الوعود غير القابلة للتطبيق.

الجنوب اللبناني… اختبار الدولة الصعب

تاريخيًا، كان الجنوب اللبناني ولا يزال الساحة الأكثر حساسية في ملف السلاح. وقد أشار الرئيس عون إلى أن قائد الجيش أعلن استكمال السيطرة العملانية للجيش على منطقة جنوب نهر الليطاني، في خطوة وصفها بالمهمة ولكن غير النهائية. فالعملية، بحسب عون، لا تزال مستمرة، وتشمل جميع المجموعات المسلحة من دون استثناء، بما في ذلك السلاح الموجود في بعض المخيمات الفلسطينية، حيث تم بالفعل سحب السلاح من عدد منها، ومتابعة الوضع ميدانيا.

غير أن الرئيس لم يغفل العوامل المعقدة التي تعيق التسريع في هذا المسار، وفي مقدمتها استمرار الاحتلال الإسرائيلي والاعتداءات المتكررة. فبرأيه، إن وقف هذه الاعتداءات وانسحاب إسرائيل من المواقع التي تقدمت إليها من شأنهما أن يساهما بشكل مباشر في تسهيل مهمة الجيش، وتسريع تطبيق قرار حصرية السلاح.

الجيش اللبناني… عبء المهام وضيق الإمكانات

في دفاع واضح عن المؤسسة العسكرية، رسم عون صورة دقيقة لحجم الأعباء الملقاة على عاتق الجيش اللبناني. فالجيش، كما قال، لا يقوم فقط بمهمة سحب السلاح، بل ينتشر على كامل الأراضي اللبنانية، ويحفظ الأمن، ويضبط الحدود، ويكافح الإرهاب وتهريب المخدرات، في وقت يعاني فيه من شح الإمكانات والموارد.

هذا التوصيف لا يهدف فقط إلى تبرير بطء بعض الإجراءات، بل يسلط الضوء على المفارقة اللبنانية الدائمة: دولة تطالب بمؤسسات قوية، لكنها لا توفر لها دائمًا الأدوات اللازمة للقيام بدورها الكامل.

رفض المحاور… لبنان أولا

وفي بعده السياسي الأوسع، شدد الرئيس اللبناني على أن البلاد “تعبت من سياسة المحاور”، ودفعت ثمنا باهظا نتيجة التورط في صراعات إقليمية لا تخدم مصلحتها. وأكد أن القرار اتخذ بألا يكون لبنان منصة تهديد لاستقرار أي دولة أخرى، في إشارة واضحة إلى محاولة إعادة تموضع لبنان كدولة تسعى إلى الحياد الإيجابي وحماية مصالحها الوطنية بعيدا عن التجاذبات.

هذا الموقف يعكس توجها لإعادة تعريف دور لبنان الإقليمي، ليس كساحة صراع، بل كدولة تسعى إلى الاستقرار الداخلي أولًا، باعتباره شرطًا لأي نهوض اقتصادي أو سياسي.

غارات إسرائيلية ورسائل متبادلة

تزامنت مواقف الرئيس مع تصعيد عسكري إسرائيلي في جنوب لبنان، حيث شنت إسرائيل سلسلة غارات مكثفة شمال نهر الليطاني، مستهدفة مواقع قالت إنها تابعة لـ“حزب الله”. هذا التصعيد، الذي جاء بعد إعلان الجيش اللبناني إنجاز مرحلة أساسية من نزع السلاح جنوب الليطاني، يطرح تساؤلات حول الرسائل المتبادلة، وحدود الالتزام بتفاهمات وقف إطلاق النار.

وفي حين بررت إسرائيل غاراتها بأنها رد على “انتهاكات متواصلة”، أكدت مصادر لبنانية رسمية أن القصف أدى إلى دمار واسع في الأبنية والبنى التحتية، ما يعيد إلى الواجهة هشاشة الوضع الأمني، وصعوبة الفصل بين المسارين العسكري والسياسي.

نحو دولة كاملة السيادة؟

ووفقا لصحيفة الإندبندنت البريطانية، يبدو أن خطاب الرئيس جوزيف عون يشكل محاولة جدية لإعادة ضبط البوصلة الوطنية، ووضع ملف السلاح في إطاره الطبيعي: كقضية سيادية داخلية، لا تحتمل المساومات الدائمة. فبالنسبة إليه، أي صيغة لا تقوم على احتكار الدولة للسلاح ستبقى عبئا على الدولة، ومصدرا دائما لعدم الاستقرار.

وطرحت الإندبندنت أسئلة حول احتمالات نجاح لبنان، في ظل الظروف الإقليمية المعقدة والضغوط الداخلية، وإمكانية ترجمة هذا الموقف السياسي إلى واقع عملي، رغم ان الطريق نحو دولة تحتكر السلاح لا يزال طويلا ومحفوفا بالتحديات.