بعد هزيمة التجديد النصفي.. هل يغير الديمقراطيون قواعد اللعبة في البيت الأبيض قبل معركة 2028؟
تحول تاريخي في واشنطن.. تراجع جمهوري في المعاقل التقليدية وضربة لسياسات البيت الأبيض
قلبت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مشهد السلطة في واشنطن، بعدما خسر الحزب الجمهوري أغلبيته في مجلسي الشيوخ والنواب، وحقق الديمقراطيون مكاسب انتخابية امتدت من الولايات المتأرجحة إلى معاقل جمهورية تقليدية، في تصويت عكس حجم الاعتراض على سياسات الرئيس دونالد ترامب، خصوصا تداعيات الحرب مع إيران وارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة.
ووضعت النتائج الإدارة الأمريكية أمام مرحلة سياسية مختلفة، بعدما انتقلت السيطرة التشريعية إلى خصوم الرئيس، بما يمنحهم أدوات أوسع لمراقبة إدارته وفتح التحقيقات والضغط على قراراته خلال العامين المتبقيين من ولايته.
وأظهرت النتائج الأولية، وفقا لتغطية صحيفة "الجارديان" البريطانية، اتساع نطاق التحول الانتخابي، مع تقدم الديمقراطيين في مجلسي الكونجرس، وفوز مرشحيهم بمقاعد بارزة في ولايات ظلت لسنوات ضمن مناطق النفوذ الجمهوري. ويمثل هذا التحول ضربة سياسية لترامب، الذي أمضى أسابيع يحث الناخبين على التعامل مع الانتخابات باعتبارها استفتاء على رئاسته، قبل أن يواجه خسائر طالت مرشحين حظوا بدعمه المباشر.
تكساس وكانساس.. خسائر جمهورية في معاقل تقليدية
وجاءت تكساس في مقدمة المفاجآت، بعدما فاز الديمقراطي جيمس تالاريكو بمقعد في مجلس الشيوخ، ليصبح أول ديمقراطي يمثل الولاية في المجلس منذ عام 1988، كما فازت جينا هينوخوسا بمنصب حاكم الولاية، لتصبح أول امرأة لاتينية تتولى المنصب. وأطاح الفوز باثنين من أبرز وجوه الحزب الجمهوري، في تحول ارتبط بقضايا العدالة الاقتصادية وسياسات الترحيل الجماعي التي أثارت اعتراضات بين قطاعات من الناخبين ذوي الأصول اللاتينية.
وامتدت الخسائر إلى كانساس، حيث فاز القس آدم هاميلتون بمقعد مجلس الشيوخ، منهيا غياب الديمقراطيين عن تمثيل الولاية في المجلس لنحو 94 عاما. كما حقق الحزب مكاسب في ساوث كارولاينا، بفوز الطبيبة الديمقراطية آني أندروز بمقعد الولاية، وفي مين، بعدما خسر الجمهوريون مقعدا احتفظت به السيناتور سوزان كولينز قرابة ثلاثة عقود.
وفي أوهايو، فاز الديمقراطي شيرود براون بمقعد مجلس الشيوخ الذي شغله جون هيستد، بينما انتقلت ولاية الحاكم إلى الديمقراطية إيمي أكتون، في نتيجة أضافت إلى سلسلة الانتكاسات التي واجهت المرشحين المدعومين من ترامب.
عبدول السيد.. فوز تاريخي في ميشيجان
سجلت ميشيجان محطة بارزة بفوز الديمقراطي عبدول السيد بمقعد مجلس الشيوخ، ليصبح أول سيناتور مسلم في تاريخ الولايات المتحدة، بعد منافسة حظيت باهتمام واسع بسبب الهجمات التي تعرض لها خلال الحملة الانتخابية.
وتعرض السيد لانتقادات ذات طابع معاد للإسلام، شملت تصريحات لترامب وصفته فيها بأنه "جهادي"، وهو ما جعل السباق يتجاوز المنافسة الحزبية إلى نقاش أوسع بشأن التنوع الديني والهوية الأمريكية. وقال السيد في خطاب الفوز إن الولايات المتحدة تتسع لجميع مواطنيها، في رسالة ركزت على رفض الإقصاء والانقسام.
كما احتفظ الديمقراطي جون أوسوف بمقعده في جورجيا، وفاز روي كوبر بمقعد مجلس الشيوخ في ولاية كارولاينا الشمالية، بينما حقق الديمقراطيون مكاسب في دوائر انتخابية أعاد الجمهوريون رسم حدودها خلال العام الحالي لتعزيز فرصهم.
الحرب مع إيران وتكاليف المعيشة.. أسباب الغضب الانتخابي
وربطت صحيفة "الجارديان" بين التحول الانتخابي وتراكم الاعتراضات على أداء الإدارة الجمهورية، وفي مقدمتها الحرب مع إيران، وارتفاع أسعار الوقود والطاقة، وتراجع القدرة الشرائية للأسر الأمريكية. وأشارت إلى أن قطاعات واسعة من الناخبين رأت تناقضا بين تعهدات ترامب السابقة بتجنب الحروب الخارجية وبين انخراط الولايات المتحدة في مواجهة عسكرية جديدة تحمل المواطنين أعباء اقتصادية متزايدة.
وتتفق هذه القراءة مع تحليل الخبير الاقتصادي البريطاني ريتشارد ميرفي، المنشور في مدونته "Tax Research UK" يوم 4 نوفمبر، الذي اعتبر أن تداعيات الحرب على أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة ساهمت في توسيع الرفض الشعبي لسياسات ترامب.
وذهب ميرفي إلى أن الخطأ الاستراتيجي المرتبط بالحرب لم يقتصر تأثيره على الولايات المتحدة، بل امتد إلى الاقتصاد العالمي، مع تزايد الضغوط على المستهلكين والأسواق.
وأكدت قناة فرانس 24 أن الغضب من الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة والرسوم الجمركية والمخاوف بشأن الفساد شكلت عوامل رئيسية وراء انتقال أصوات الناخبين إلى الديمقراطيين، في وقت أظهرت فيه استطلاعات الخروج من مراكز الاقتراع رغبة واسعة في تعزيز الرقابة البرلمانية على الرئيس.
الكونجرس يفتح جبهات جديدة أمام البيت الأبيض
وتمنح السيطرة الديمقراطية على مجلسي الشيوخ والنواب الحزب المعارض صلاحيات رقابية وتشريعية مؤثرة، تشمل استدعاء المسؤولين والتحقيق في قرارات الإدارة ومراجعة الملفات المالية المرتبطة بترامب وأفراد عائلته، إلى جانب استخدام جلسات الاستماع والرقابة البرلمانية لمساءلة المسؤولين عن السياسات الحكومية.
ويستطيع الديمقراطيون كذلك عرقلة عدد من التعيينات القضائية والحكومية التي يحتاج ترامب إلى موافقة مجلس الشيوخ لإقرارها، فضلا عن الضغط لإنهاء الحرب مع إيران من خلال قرارات تتعلق بصلاحيات الحرب، ومراجعة الرسوم الجمركية، والتصدي لسياسات وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية، ومحاولة استعادة بعض التخفيضات التي طالت برامج الرعاية الصحية والمساعدات الاجتماعية.
لكن الأغلبية الجديدة لا تمنح الديمقراطيين حرية تمرير جميع مشروعات القوانين، إذ يظل شرط الحصول على 60 صوتا في مجلس الشيوخ لإنهاء التعطيل التشريعي عقبة أمام تمرير تشريعات كبرى دون توافق مع الجمهوريين. كما يمتلك ترامب حق استخدام الفيتو الرئاسي ضد القوانين التي يعارضها، وهو ما يضع العلاقة بين البيت الأبيض والكونجرس أمام اختبار مستمر.
معركة 2028.. هل يتجاوز الديمقراطيون نفوذ الشركات؟
رغم الاحتفال بالنتائج، يطرح تحليل ريتشارد ميرفي تساؤلا يتجاوز هزيمة الجمهوريين، يتعلق بطبيعة الحزب الديمقراطي نفسه وقدرته على تقديم بديل اقتصادي وسياسي مختلف. ويرى ميرفي أن الحزب لا يزال خاضعا لنفوذ المصالح التجارية الكبرى، ويتبنى توجهات اقتصادية نيوليبرالية، وهو ما يحد من قدرته على معالجة جذور الأزمات التي تواجه الأمريكيين.
ويستند هذا الطرح إلى انتقاد ميرفي لسنوات حكم بيل كلينتون وباراك أوباما وجو بايدن، معتبرا أن تعاقب الإدارات الديمقراطية لم ينجح في تقليص هيمنة الشركات الكبرى على السياسة والاقتصاد. ولذلك دعا إلى جعل الانتخابات التمهيدية الرئاسية المقبلة ساحة للصراع حول هوية الحزب، واختيار مرشح يضع مصالح المواطنين قبل نفوذ رأس المال والشركات.
وتتقاطع هذه الرؤية مع التحدي الذي ينتظر الديمقراطيين خلال العامين المقبلين، إذ يتعين عليهم إثبات أن استعادة الكونجرس ستنعكس على حياة الأسر الأمريكية، وليس فقط على موازين السلطة داخل واشنطن.