< هل يعني الانسحاب الأمريكي من العراق عودة تهديد تنظيم «داعش» الإرهابي؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

هل يعني الانسحاب الأمريكي من العراق عودة تهديد تنظيم «داعش» الإرهابي؟

الرئيس نيوز

أنهت الولايات المتحدة اليوم وجودها العسكري في العراق، مع مغادرة آخر قواتها وقواعدها، لتنتهي بذلك مهمة استمرت 12 عاما لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي، وتدخل بغداد مرحلة أمنية جديدة تتحمل فيها القوات العراقية المسؤولية الرئيسية عن مواجهة التنظيمات المسلحة وحماية البلاد. لكن خروج القوات الأمريكية يفتح في الوقت نفسه سؤالا أكثر تعقيدا: هل تتحول نهاية المهمة الأمريكية إلى فرصة لتوسيع نفوذ الجماعات المدعومة من إيران، وهل يستطيع تنظيم داعش استغلال أي فراغ أمني لإعادة بناء قدراته؟

نهاية مهمة استمرت 12 عاما

أعلن الجيش الأمريكي اكتمال انسحاب قواته من العراق، منهيا عملية "العزم الصلب" التي بدأت في 2014 بعد اجتياح داعش مساحات واسعة من العراق وسوريا. وكانت الولايات المتحدة قد أعادت قواتها إلى العراق بعد انسحابها السابق عام 2011، في أعقاب صعود التنظيم وسيطرته على مدن وأراض واسعة، وفقا لتقرير نشره موقع دويتشه فيله الألماني.

وقبل الانسحاب كان نحو 2500 جندي أمريكي موجودين في العراق، فيما جرى الاتفاق بين بغداد وواشنطن في 2024 على إنهاء المهمة العسكرية والتحول إلى علاقة أمنية ثنائية أكثر اعتيادية. وتقول واشنطن إن القوات العراقية أصبحت قادرة على تولي المعركة ضد داعش، بعدما فقد التنظيم سيطرته على الأراضي التي استولى عليها خلال ذروة تمدده.

لكن انتهاء المهمة الأمريكية لا يعني اختفاء التعاون الأمني بين البلدين، إذ تتجه العلاقة إلى التدريب والدعم وتبادل المعلومات بدلا من الوجود العسكري المباشر، بينما تستمر واشنطن في متابعة تهديد داعش من خارج العراق.

الفصائل المسلحة في قلب المعادلة

المشكلة الأكثر إلحاحا أمام بغداد لا ترتبط بداعش وحده، وإنما بمئات الجماعات المسلحة التي تتمتع بنفوذ سياسي وعسكري متفاوت، ومن بينها فصائل مرتبطة بإيران. وكانت الحكومة العراقية قد ربطت بين انتهاء المهمة الأمريكية وخطة لإخضاع السلاح لسلطة الدولة ودمج الفصائل المسلحة في المؤسسات الأمنية. لكن الخطة لم تنفذ بالكامل، وأرجأت بغداد الموعد النهائي لنزع السلاح إلى 30 يونيو 2027، بعد رفض جماعات قوية التخلي عن أسلحتها أو قبول شروط الحكومة.

ويشير تقرير دويتشه فيله إلى أن جماعات مثل كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء لم تقدم مؤشرات واضحة على استعدادها لتسليم أسلحتها للدولة. ويحذر محللون من أن استمرار ارتباط بعض القوى السياسية بالتنظيمات المسلحة يجعل إعادة بناء احتكار الدولة للسلاح عملية طويلة ومعقدة. وهنا تظهر إحدى نتائج الانسحاب، فواشنطن غادرت، لكن السؤال عن ميزان القوة داخل العراق لم ينته معها.

هل تستفيد إيران؟

يرجح التقرير أن تقليص الوجود الأمريكي قد يمنح الفصائل المدعومة من إيران مساحة أوسع للحركة السياسية والأمنية، خصوصا مع تراجع قدرة واشنطن على استخدام وجودها العسكري داخل العراق كأداة للردع. ويشير إلى مخاوف من أن يؤدي خروج القوات الأمريكية إلى زيادة قدرة الجماعات المرتبطة بإيران على توسيع نفوذها، بينما تعتبر طهران وحلفاؤها الانسحاب مكسبا سياسيا بعد سنوات من الضغط الأمريكي.

لكن ذلك لا يعني أن إيران أصبحت صاحبة القرار الوحيد في العراق. فالحكومة في بغداد تحاول الحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران، كما أن المصالح الاقتصادية والأمنية العراقية تفرض استمرار التواصل مع الولايات المتحدة. ويقول ريناد منصور من "تشاتام هاوس" إن الهدف السياسي لبغداد هو الإبقاء على التحالف مع واشنطن مع الانتقال إلى علاقة طبيعية لا تركز على الوجود العسكري.

وماذا عن عودة داعش؟

الخطر الآخر يتمثل في احتمال استغلال داعش لأي ضعف في المنظومة الأمنية. لكن العودة إلى سيناريو 2014 ليست نتيجة تلقائية للانسحاب الأمريكي.

فالتنظيم خسر قدرته على السيطرة على مدن وأراض واسعة داخل العراق، فيما تواصل القوات العراقية وقوات البيشمركة مواجهة خلاياه. كما أن طبيعة داعش الحالية تختلف عن مرحلة تمدده الإقليمي، إذ يعتمد بدرجة أكبر على الخلايا والهجمات المحدودة بدلا من إدارة أراض شاسعة.

مع ذلك، فإن الانسحاب يسحب معه قدرات أمريكية مهمة في مجالات الاستخبارات والاستطلاع والدعم الجوي والدفاع الجوي، وهو ما يثير مخاوف من أن تحتاج القوات العراقية إلى وقت لإثبات قدرتها على سد هذه الفجوة.

ويحذر المجلس الأطلسي، ومقره واشنطن، من أن مستقبل التهديد يعتمد بدرجة كبيرة على قدرة العراق على منع الفصائل المسلحة من تقويض سلطة الدولة، وعلى استمرار قدرة القوات العراقية على ملاحقة خلايا داعش ومنع التنظيم من استغلال أي اضطراب سياسي أو أمني.

الأكراد أمام اختبار أمني جديد

تترك عملية الانسحاب أثرا خاصا في إقليم كردستان، حيث غادرت القوات الأمريكية قاعدة أربيل، كما أزيلت أنظمة دفاع جوي أمريكية كانت توفر طبقة حماية مهمة. وكانت أربيل قد تعرضت خلال الأشهر الماضية لهجمات بصواريخ وطائرات مسيرة مرتبطة بالصراع الإقليمي مع إيران، ما دفع القيادة الكردية إلى مطالبة بغداد بتوفير حماية أكبر. وتحذر قيادات كردية من أن تراجع المظلة الأمريكية قد يزيد تعرض الإقليم للضغوط والهجمات.

وبذلك لا يرتبط مستقبل العراق بعد الانسحاب الأمريكي بسؤال واحد عن داعش، بل بثلاثة اختبارات متزامنة: قدرة بغداد على احتكار السلاح، وحدود نفوذ الفصائل المدعومة من إيران، وقدرة القوات العراقية والكردية على منع داعش من استغلال أي ثغرات أمنية.

وأضاف التقرير أن الانسحاب الأمريكي أنهى مرحلة عسكرية، لكنه لم يحسم شكل المرحلة الأمنية التالية. وما سيحدد اتجاه العراق خلال السنوات المقبلة ليس غياب القوات الأمريكية وحده، وإنما قدرة الدولة العراقية على إدارة ميزان القوى الداخلي ومنع تحوله إلى فراغ أمني تستفيد منه الجماعات المسلحة أو خلايا داعش.