مطاردة المرشد.. كيف تحاول واشنطن وتل أبيب تعقب مجتبى خامنئي؟
في عملية استخباراتية تستحضر أساليب مطاردة أسامة بن لادن قبل نحو ربع قرن، تشن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية وجهاز الموساد الإسرائيلي عملية، هي الأضخم، لتعقب زعيم دولة في العالم اليوم بهدف البحث عن مخبأ مجتبى خامنئي، المرشد الأعلى الجديد لإيران، الذي اختفى عن الأنظار منذ نحو 5 أشهر متواصلة دون أن يسمع له صوت أو ترى له صورة حقيقية.
مرشد في الظلام
تولى مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى في مارس الماضي، خلفا لوالده علي خامنئي الذي لقي حتفه في غارة جوية إسرائيلية يوم الثامن والعشرين من فبراير، وهو اليوم ذاته الذي انطلقت فيه الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران. ومنذ تلك اللحظة، لم يظهر مجتبى علنا في أي صورة أو تسجيل، ولم يستخدم هاتفا أو جهاز كمبيوتر، مما أضعف فاعلية وسائل الاستخبارات التقنية التقليدية في تعقبه.
وكشفت صحيفة التايمز البريطانية في تقرير أعده مراسلها مايكل إيفانز أن الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية والأمريكية تكثف جهودها لتعقب المرشد الجديد، وسط غموض يكتنف مكان وجوده وحالته الصحية. وقد صرح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث في وقت سابق بأن مجتبى "أصيب على الأرجح وخرج مشوها" جراء الضربة التي أودت بحياة والده، في حين أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه اجتمع بالمرشد الجديد نحو ساعتين ونصف وأنه يتمتع بصحة جيدة — وهو تصريح ينقل التقرير عن مسؤولين سابقين في الموساد تشكيكهم في صحته.
الصمت الرقمي.. معضلة استخباراتية
ما يعقد عملية التتبع بصورة جوهرية هو أن المرشد الجديد أغلق كل أبواب التجسس الإلكتروني. كانت عملية تعقب المرشد الراحل علي خامنئي تعتمد بصورة كبيرة على أدوات المراقبة الإلكترونية، بما فيها اختراق كاميرات المرور في طهران وتحليل تحركات سيارات الحراسة، بالتنسيق بين وكالة الأمن القومي الأمريكية ووحدة "8200" الإسرائيلية، وهو ما ساعد على تحديد أماكن كبار المسؤولين الإيرانيين قبل استهدافهم. غير أن مجتبى يبدو وكأنه استخلص الدرس جيدا، فأحكم إغلاق كافة نوافذ الرصد الإلكتروني، ولم يترك أي بصمة رقمية قد ترشد إلى موقعه.
استراتيجية ساعي البريد
أمام هذا الجدار الصلب، اضطرت الأجهزة الاستخباراتية إلى العودة لأساليب التجسس الكلاسيكي. نقل إيفانز عن رامي إيجرا، الرئيس السابق لأحد أقسام الموساد، قوله إن الاستخبارات الإسرائيلية تعلمت من تجربتها في البحث عن الأسرى الإسرائيليين في غزة أن الاعتماد المفرط على التكنولوجيا لا يكفي، وأن الوصول إلى الهدف يتطلب اختراقا بشريا لشبكة الأشخاص المحيطين به.
وأضاف إيجرا أن مجتبى خامنئي، إذا كان حيا، فمن المرجح أنه يعتمد على شبكة من سعاة البريد لنقل الرسائل الورقية، بحيث لا يعرف كل وسيط سوى الجزء المحدود من مهمته — وهو الأسلوب ذاته الذي استخدمته CIA لتعقب أسامة بن لادن عبر أحد رسله. كما أشار تقرير التايمز إلى أن عددا محدودا جدا من قادة الحرس الثوري يعلمون مكان وجوده الحقيقي، مما يجعل تجنيد أي مصدر قريب منه أمرا بالغ الصعوبة.
أشباح وبدلاء
يتناول التقرير أيضا احتمال استخدام أشخاص يشبهون مجتبى خامنئي لخداع أجهزة الاستخبارات، على غرار ما كان يفعله الرئيس العراقي السابق صدام حسين، بحيث قد يتعامل المحيطون به مع شخص بديل دون أن يعرفوا ذلك. ويرى الضابط السابق في الموساد أفنر أبراهام أن أي تسجيل صوتي محتمل يمكن أن يكون نقطة اختراق، إذ يحمل الصوت معلومات دقيقة عن جهاز التسجيل وربما عن موقعه.
المخبأ الأعمق
يرجح خبراء الاستخبارات اختباءه في الملاجئ الممتدة تحت الأرض في العاصمة طهران أو في المنشآت المحصنة بالقرب من مدينة قم. وتكشف وثائق سربتها إيران إنترناشيونال أن منظومة الأنفاق التي بناها الحرس الثوري تحت طهران تمتد لنحو خمسة كيلومترات تحت المدارس والمستشفيات والأحياء السكنية، وتضم ملاجئ على عمق يتجاوز ثلاثين مترا مزودة بغرف مقاومة للصواريخ.
ويختتم إيفانز تقريره بالإشارة إلى أن نجاح الموساد والمخابرات الأمريكية في تحديد مكان مجتبى خامنئي لن يكون المحطة الأخيرة، إذ سيبقى القرار السياسي في واشنطن وتل أبيب هو العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان سيستهدف أو يكتفى بمراقبته، في ظل تساؤلات حول تداعيات أي خطوة من هذا النوع على مستقبل إيران والمنطقة.
وتبدو "مطاردة المرشد" أشبه بلغز استخباراتي محكم في أحد أفلام هوليوود ذات السيناريو الأكثر إثارة حول رجل يقود دولة في حالة حرب، وتنشر صوره في شوارع طهران وتصدر بيانات باسمه، لكنه لم يظهر قط أمام عدسة كاميرا واحدة ولم يسمع له صوت طوال 150 يوما — في واحدة من أكثر معادلات الغموض الاستراتيجي إثارة في العالم.