< من المروحة إلى التكييف.. كيف يواجه المصريون صيفًا أكثر قسوة؟
الرئيس نيوز
رئيس التحرير
شيماء جلال

من المروحة إلى التكييف.. كيف يواجه المصريون صيفًا أكثر قسوة؟

الرئيس نيوز

مع صيف 2026، تقترب درجات الحرارة من حاجز 42 درجة مئوية في مناطق عدة، بينما تدور في القاهرة حول 39 و41 درجة، مع تسجيل مستويات أعلى في جنوب البلاد، بحسب تقارير الأرصاد الجوية. 

وفي تقرير مصور على هيئة كوميكس نشرته الإذاعة الوطنية العامة الأمريكية NPR، استعادت الكاتبة والرسامة ملكة غريب ذكريات صيف القاهرة في تسعينيات القرن الماضي، حين كان جهاز التكييف رفاهية بعيدة عن متناول كثير من الأسر، وقارنتها بمشهد اليوم الذي أصبحت فيه أجهزة التكييف أكثر انتشارًا، دون أن يعني ذلك أن الجميع قادرون على الاحتماء بها. 

 

معركة يومية مع طقس متطرف

بالنسبة لملايين المصريين، لم تكن الحرارة المرتفعة يومًا ظاهرة استثنائية. فالصيف المصري معروف بطوله وقسوته، لكن السنوات الأخيرة أضافت إلى المشهد شعورا مختلفا؛ إذ باتت موجات الحر أكثر حدة، وأصبحت فترات ارتفاع الحرارة الشديد جزءا متكررا من الحياة اليومية.

وتنقل الكاتبة، في تقريرها، صورة شخصية للحرارة من خلال والدها في القاهرة، الذي وصف الطقس بأنه عقابي، بينما كانت درجات الحرارة قد بلغت نحو 39 درجة مئوية، مع توقعات بارتفاعها إلى ما يعادل 41 درجة تقريبًا.

لكن المصريين لا ينتظرون حلولا مثالية للتعامل مع الحر. فحين ترتفع درجات الحرارة، تبدأ سلسلة طويلة من الحيل الصغيرة والعادات المتوارثة التي تهدف إلى تقليل وطأة النهار، من تغيير مواعيد الحركة والعمل إلى الاحتماء بالظل، ومن المروحة التقليدية إلى أجهزة التكييف الحديثة.

العمارة تعلم أسرار التبريد

قبل أن تصبح أجهزة التكييف عنصرا أساسيا في كثير من المنازل، كانت العمارة المصرية تؤدي جزءًا من هذه المهمة. ففي المباني القديمة، تساعد الجدران السميكة على إبطاء انتقال الحرارة، بينما تسمح النوافذ المصممة بعناية بحركة الهواء داخل الغرف. وفي البيوت التقليدية، كان اختيار مكان الجلوس خلال ساعات النهار جزءًا من استراتيجية البقاء: غرفة أكثر ظلا، شرفة لا تصل إليها الشمس مباشرة، أو سطح مفتوح بعد غروبها.

ولا تزال هذه الفكرة حاضرة، ولو بصورة مختلفة. فخلال ساعات الذروة، يفضل كثيرون البقاء في الداخل أو البحث عن الظل، بينما تصبح الأشجار والممرات المغطاة والمباني ذات المساحات المظللة نقاط نجاة مؤقتة لمن تضطرهم ظروف العمل إلى البقاء في الخارج.

أما المروحة، فما زالت واحدة من أكثر الوسائل انتشارا في مواجهة الحر، خصوصا لدى الأسر التي لا تستطيع تحمل تكلفة تشغيل التكييف لفترات طويلة. وفي بعض البيئات، تستخدم معها وسائل تساعد على الإحساس بالبرودة، مثل تبليل الأرضيات أو وضع قطعة قماش مبللة بالقرب من مصدر الهواء، اعتمادًا على تأثير التبخر في خفض الإحساس بالحرارة.

الماء.. أبسط وسيلة لمواجهة أصعب أيام الصيف

في بلد يعتمد فيه جزء كبير من الحياة اليومية على الحركة في الشوارع والعمل في الهواء الطلق، يصبح الماء ضرورة لا رفاهية.

ويزداد الإقبال على شرب المياه والسوائل خلال موجات الحر، فيما يلجأ البعض إلى المشروبات الباردة والعصائر، وإلى الاستحمام المتكرر لتخفيف حرارة الجسم. كما يستخدم البعض المناشف أو قطع القماش المبللة على الرقبة والجبهة، وهي طريقة بسيطة لكنها تمنح شعورًا مؤقتًا بالانتعاش.

التكييف ينتشر.. لكن فاتورته ليست للجميع

منذ تسعينيات القرن الماضي تغير المشهد بصورة واضحة. فقد أصبح جهاز التكييف أكثر حضورًا في المنازل والمكاتب والمحال التجارية والسيارات، وانتقل تدريجيًا من كونه علامة على الرفاهية إلى ضرورة عملية بالنسبة إلى قطاعات واسعة من المجتمع. لكن انتشار أجهزة التكييف لا يعني أن الجميع يستطيعون استخدامها بلا قيود.

فارتفاع استهلاك الكهرباء، وتكلفة التشغيل، والصيانة، وقدرة الشبكات الكهربائية على تحمل الطلب المرتفع خلال فترات الذروة، كلها عوامل تجعل الاعتماد الكامل على التكييف أمرًا صعبًا بالنسبة إلى بعض الأسر.

ولهذا، حتى في المنازل التي تمتلك أجهزة تكييف، يظل الاستخدام غالبًا محكومًا بحسابات دقيقة مثل متى يتم تشغيل الجهاز؟ وعلى أي درجة حرارة؟ وهل يمكن الاكتفاء بالمروحة؟ وهل من الأفضل تشغيل التكييف في غرفة واحدة بدلًا من تبريد المنزل بأكمله؟ وهكذا، لم يختفي البديل التقليدي مع وصول التكنولوجيا؛ بل أصبح الاثنان يعملان جنبًا إلى جنب.

في الصعيد.. الليل له حسابات أخرى

في مناطق جنوب مصر، حيث ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات أكبر خلال أشهر الصيف، يصبح التعامل مع الليل جزءًا أساسيًا من استراتيجية مواجهة الطقس.

وفي بعض المناطق الريفية، يفضل السكان قضاء ساعات الليل في الأماكن المفتوحة أو شبه المفتوحة عندما تسمح الظروف بذلك، بحثًا عن حركة هواء أفضل. كما تساعد الأسرة المرتفعة عن الأرض على تحسين مرور الهواء أسفلها وحولها، وهي ممارسة عرفتها البيئات الحارة منذ زمن طويل.

ومع غروب الشمس، تتغير خريطة الحياة اليومية. الأماكن التي كانت خالية خلال ساعات الظهيرة تعود إلى النشاط، وتتحول الشوارع والمقاهي والمساحات المفتوحة إلى وجهات يقصدها الناس بعد انكسار حدة الحرارة.

المصريون لا يغيرون ملابسهم فقط.. بل يغيرون جدول اليوم

وذكرت الكاتبة أن حرارة الطقس لا تعيد ترتيب الملابس فحسب؛ إنها تعيد ترتيب الوقت نفسه. وفي الأيام شديدة الحرارة، يصبح الخروج المبكر خيارًا مفضلًا لمن يستطيع، بينما يحاول كثيرون تأجيل الأنشطة غير الضرورية إلى المساء. وتنتقل بعض اللقاءات والاجتماعات إلى ساعات أقل حرارة، فيما يفضل آخرون إنجاز الأعمال التي تتطلب الحركة في الصباح قبل أن تصل الشمس إلى ذروة تأثيرها.

أما الملابس، فتتجه عادة إلى الأقمشة الخفيفة والفضفاضة التي تسمح بمرور الهواء، مع استخدام أغطية الرأس والقبعات والحجاب للحماية من أشعة الشمس المباشرة.

وحتى الأطفال يتعلمون، بصورة تلقائية، خريطة النشاط أثناء الحر، فاللعب في الصباح الباكر أو بعد غروب الشمس، والابتعاد عن الملاعب والأماكن المكشوفة خلال ساعات الظهيرة.