سقطت هيمنة البدلة.. مكاتب طوكيو تسمح بارتداء الشورت لمواجهة الموجة الحارة
في اليابان، حيث ارتبطت صورة الموظف المكتبي لسنوات طويلة بالبدلة الداكنة والقميص الأبيض وربطة العنق، بدأ مشهد جديد يلفت الأنظار داخل أروقة حكومة العاصمة طوكيو ومن الشائع اليوم رؤية موظفين يرتدون الشورت والتيشيرت والأحذية الرياضية في العمل.
وذكرت صحيفة جابان تايمز أن هذه المرونة ليست محاولة لكسر التقاليد من أجل التغيير، بل استجابة عملية لصيف بات أكثر قسوة، ولدرجات حرارة تضغط على الموظفين والمكاتب وشبكات الطاقة في آن واحد. وقررت حكومة طوكيو تشجيع موظفيها على اعتماد ملابس أكثر راحة وخفة ضمن مبادرة "طوكيو كول بيز"، التي تسمح، بحسب طبيعة الوظيفة، بارتداء الشورت إلى جانب التيشيرت وقميص البولو والأحذية الرياضية.
من البدلة وربطة العنق إلى الشورت
وقالت صحيفة جابان تايمز إن التغيير يمثل تخفيفًا لواحد من أكثر تقاليد بيئة العمل اليابانية رسوخًا، إذ ظهر موظفو حكومة العاصمة في منتصف يوليو بملابس صيفية أكثر تحررًا، في وقت كانت فيه درجات الحرارة في طوكيو تقترب من 34 درجة مئوية، مع رطوبة تجعل ارتداء الملابس الرسمية أكثر إرهاقًا.
ونقلت الصحيفة عن الموظف الحكومي نوبورو واتانابي، البالغ 50 عامًا، أنه شعر في البداية ببعض الإحراج من الظهور بالشورت داخل المكتب، لكنه سرعان ما اكتشف أنه أكثر راحة، فيما قال موظف آخر إن العودة إلى الملابس الرسمية جعلته يشعر بالحرارة بصورة أكبر.
أما صحيفة الجارديان، فالتقطت المشهد من زاوية أكثر حيوية، إذ وصفت موظفين في حكومة طوكيو وهم يتخلون عن السترات وربطات العنق لصالح الشورت والتيشيرت والأحذية الرياضية. ونقلت عن الموظف تورو سودا أن الأمر بدا غريبًا في البداية، قبل أن يتراجع هذا الشعور مع اعتياد المزيد من زملائه على الملابس الجديدة.

حرارة تكسر القواعد القديمة
القرار يأتي في توقيت شديد الحساسية؛ فاليابان تدخل صيفًا جديدًا بعد أن سجلت في العام الماضي أعلى متوسط لدرجات الحرارة في تاريخها الحديث، بينما أصبحت درجات الحرارة التي تتجاوز 40 درجة مئوية أكثر تكرارًا. وواجهت اليابان في يوليو 2026 موجة حر شديدة دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات واسعة من ضربات الشمس، مع توقعات بتجاوز الحرارة حاجز 40 درجة مئوية في مدن عدة.
وكانت البلاد قد سجلت في 2025 درجة حرارة قياسية بلغت 41.8 درجة مئوية، فيما نقلت الوكالة عن بيانات حكومية أن أكثر من 100 ألف شخص نُقلوا إلى المستشفيات بسبب ضربات الحرارة خلال صيف العام الماضي.
وفي تطور يعكس خطورة الوضع، أطلقت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية هذا العام تصنيفًا خاصًا للأيام التي تصل فيها الحرارة إلى 40 درجة مئوية أو أكثر، في إشارة إلى أن موجات الحر الشديدة لم تعد أحداثًا استثنائية كما كانت في الماضي.
"كول بيز" تتحول إلى نسخة أكثر جرأة
المبادرة الجديدة ليست وليدة هذا الصيف. فحملة "كول بيز" بدأت في اليابان عام 2005، بهدف تشجيع الموظفين على التخلي عن السترات وربطات العنق خلال أشهر الصيف، والسماح برفع درجة حرارة أجهزة التكييف للمساعدة في تقليل استهلاك الطاقة.
لكن نسخة طوكيو الجديدة تبدو أكثر جرأة؛ فبدلًا من الاكتفاء بقميص قصير الأكمام أو الاستغناء عن ربطة العنق، أصبح الشورت نفسه مقبولًا في المكتب وفقًا لطبيعة العمل. وقالت حاكمة طوكيو يوريكو كويكي إن الحملة تشجع على ملابس صيفية مريحة، مثل قمصان البولو والتيشيرت والأحذية الرياضية، مع السماح بالشورت عندما تتناسب الملابس مع طبيعة المهام.
وهنا تظهر المفارقة: ما كان ينظر إليه قبل سنوات باعتباره مظهرًا غير مناسب للعمل أصبح اليوم جزءًا من سياسة رسمية للتكيف مع المناخ.
ليس الجميع سعيدًا برؤية أرجل الموظفين!
لكن الشورت لم يدخل المكاتب اليابانية بدون مقاومة؛ فقد كشفت جابان تايمز عن جدل واسع حول السؤال البسيط ظاهريًا: إلى أي حد يمكن أن تصبح ملابس المكتب غير رسمية؟
البعض رحب بالفكرة باعتبارها مرنة ومنطقية في مواجهة الحرارة، بينما رأى آخرون أن الشورت ينتمي إلى أوقات العطلات وليس إلى مكان العمل. ونقلت الصحيفة عن سمسارة عقارية تبلغ 52 عامًا أنها لا تعترض على التخلي عن ربطة العنق أو السترة في الصيف، لكنها ترى أن الشورت "خطوة أبعد من اللازم"، بل أبدت اعتراضًا طريفًا على مظهر أرجل الرجال في المكاتب.
وفي المقابل، وجد موظفون آخرون أن الراحة تستحق التضحية ببعض القواعد القديمة. وقال الموظف تاكويا أوزاوا، وفق جابان تايمز، إن رحلة العودة إلى المنزل تصبح شديدة الحرارة عند ارتداء السراويل الطويلة، بينما يشعر براحة وانتعاش أكبر عندما يرتدي الشورت.

الطاقة تدخل على خط الأزمة
وراء هذه المرونة في قواعد الملابس سبب اقتصادي أيضًا. فقد أشارت جابان تايمز إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة، المرتبطة جزئيًا بالتوترات والحرب في الشرق الأوسط، دفع المكاتب اليابانية إلى البحث عن وسائل لتقليل الاعتماد على أجهزة التكييف.
طوكيو تختبر حدود المكتب الياباني
ورغم أن بعض الوظائف والاجتماعات الرسمية لا تزال تتطلب ملابس أكثر احتشامًا ورسمية، فإن التجربة تكشف تحولًا تدريجيًا في الثقافة المهنية اليابانية. وتقول رويترز إن عددًا متزايدًا من أصحاب العمل أصبح يمنح الموظفين حرية أكبر في اختيار ملابسهم، خصوصًا عندما لا يكون عملهم في مواجهة العملاء، بينما بدأت شركات التجزئة نفسها في طرح عروض الملابس العملية الخفيفة والمناسبة لحرارة الطقس الصيفي.