نعمان العابد: التصريحات المتبادلة بين واشنطن وطهران رسائل داخلية والاختبار الحقيقي في التنفيذ
أكد السفير نعمان توفيق العابد، الدبلوماسي السابق والباحث في العلاقات الدولية، أن التصريحات الحادة المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الفترة الأخيرة لا يمكن اعتبارها مؤشرًا مباشرًا على انهيار التفاهمات القائمة أو عودة المواجهة بين الطرفين، مشيرًا إلى أن الخطاب السياسي المتشدد غالبًا ما يرتبط بحسابات داخلية أكثر من ارتباطه بواقع العلاقات بين الدول.
التصريحات المتشددة.. عودة التصعيد
وأوضح نعمان العابد، خلال مداخلة في برنامج "عن قرب مع أمل الحناوي" المذاع على قناة القاهرة الإخبارية، أن المشهد الحالي يشهد تبادلًا للرسائل السياسية والإعلامية بين الجانبين، إلا أن هذه الرسائل تستهدف بالدرجة الأولى مخاطبة الرأي العام الداخلي وإظهار التمسك بالمواقف الوطنية أمام الجماهير، وليس بالضرورة التعبير عن نوايا حقيقية للتصعيد.
وأضاف الدبلوماسي السابق، أن العلاقات الدولية كثيرًا ما تشهد مثل هذه التصريحات خلال المراحل الحساسة من التفاوض، حيث تحاول كل دولة الحفاظ على صورتها السياسية أمام مواطنيها، مع استمرار العمل خلف الكواليس للحفاظ على مسارات الحوار والتفاهم، وأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى تقديم الاتفاق المبرم مع إيران باعتباره نجاحًا سياسيًا كبيرًا للإدارة الأمريكية.
حسابات داخلية.. لخطاب الأمريكي
وأوضح الدبلوماسي السابق، أن الإدارة الأمريكية تحرص على إظهار الاتفاق للرأي العام الأمريكي باعتباره نتيجة مباشرة للسياسات التي انتهجتها واشنطن، وبما يعكس قدرتها على تحقيق أهدافها الاستراتيجية دون الدخول في مواجهات عسكرية مكلفة، وأن هذا النهج يأتي في إطار المنافسة السياسية الداخلية، حيث تسعى القيادات الأمريكية إلى تعزيز صورتها أمام الناخبين وإبراز قدرتها على تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية تخدم المصالح الأمريكية.
وأكد الدبلوماسي السابق، أن مثل هذه الاعتبارات تدفع أحيانًا إلى استخدام لغة حادة أو متشددة في التصريحات الرسمية، رغم استمرار قنوات الاتصال والتفاوض بين الأطراف المختلفة، وأن القيادة الإيرانية تواجه بدورها تحديات داخلية تتطلب التأكيد المستمر على أنها لم تتخل عن مصالحها أو تقدم تنازلات مجانية في أي اتفاق يتم التوصل إليه.
إيران تتمسك بإظهار موقفها
وأشار نعمان العابد، إلى أن الخطاب الإيراني يركز على طمأنة الشارع الداخلي بأن طهران تمكنت من الحفاظ على حقوقها ومواقفها الأساسية خلال مراحل التفاوض المختلفة، وأن أي تفاهمات تمت جاءت وفقًا لمصالحها الوطنية، إذ أن المسؤولين الإيرانيين يحرصون على التأكيد في تصريحاتهم على استقلال القرار الإيراني وعدم الخضوع للضغوط الخارجية، وهو ما يفسر جانبًا من التصريحات الحادة التي تصدر من حين لآخر.
وأكد الدبلوماسي السابق، أن هذه الرسائل تستهدف تعزيز الثقة الداخلية والحفاظ على التماسك السياسي والشعبي، خاصة في ظل حساسية الملفات المرتبطة بالعقوبات والبرنامج النووي والعلاقات مع القوى الدولية، وأن إدارة الرأي العام أصبحت جزءًا أساسيًا من صناعة القرار السياسي في مختلف دول العالم، وهو ما ينعكس بصورة واضحة في طبيعة التصريحات الصادرة عن المسؤولين خلال الأزمات والمفاوضات.
الرأي العام.. الخطاب السياسي
وأشار الدبلوماسي السابق، إلى أن الخطاب السياسي لا يُوجَّه دائمًا إلى الطرف الآخر فقط، بل يُوجَّه في كثير من الأحيان إلى الجماهير المحلية والمؤسسات السياسية والاقتصادية داخل الدولة، وأن هذا الأمر يفسر التناقض الظاهري أحيانًا بين استمرار المفاوضات والاتصالات من جهة، واستمرار التصريحات المتشددة من جهة أخرى.
وأكد الدبلوماسي السابق، أن قراءة المشهد السياسي تتطلب التمييز بين الرسائل الإعلامية الموجهة للاستهلاك الداخلي وبين المؤشرات الفعلية المرتبطة بمستقبل العلاقات بين الدول، وأن نجاح مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران لن يُقاس بحجم التصريحات المتبادلة أو حدة الخطاب الإعلامي، وإنما بمدى التزام الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه على أرض الواقع.
التنفيذ العملي.. النجاح الحقيقي
وأوضح الدبلوماسي السابق، أن التجارب الدولية أثبتت أن الاتفاقات السياسية يمكن أن تستمر رغم وجود خلافات إعلامية أو تصريحات متشددة، طالما أن هناك إرادة حقيقية لتنفيذ البنود المتفق عليها، وأن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا عمليًا لقدرة الطرفين على الالتزام بتعهداتهما وتحويل التفاهمات النظرية إلى إجراءات ملموسة تسهم في تعزيز الاستقرار.
وأشار الدبلوماسي السابق، إلى أن المجتمع الدولي يراقب بدقة الخطوات التنفيذية المقبلة، باعتبارها العامل الأساسي في تقييم فرص نجاح الاتفاق واستمرار مسار التهدئة، وأن مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران سيعتمد بشكل رئيسي على مدى التزام الطرفين بتنفيذ التفاهمات التي تم التوصل إليها، وليس على طبيعة التصريحات السياسية اليومية.
مستقبل العلاقات.. الالتزام والتفاهم
واختتم السفير نعمان العابد، بالتأكيد على أن التطبيق العملي لبنود الاتفاق سيحدد ما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد مزيدًا من الاستقرار والانفتاح، أم عودة الخلافات والتوترات إلى الواجهة من جديد، وأن استمرار الحوار والالتزام بالتعهدات يمثلان الضمانة الحقيقية للحفاظ على التهدئة وتحقيق نتائج إيجابية تخدم مصالح جميع الأطراف، وتفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقرارًا في العلاقات بين واشنطن وطهران.