من انخفاض الأكسجين إلى نفوق الأسماك.. كيف تنقذ التكنولوجيا مشروعات الاستزراع المائي؟
أكد اتحاد شركات التأمين المصرية أن التحول نحو الاستزراع المائي الذكي أصبح خطوة مهمة لبناء مشروعات أكثر قدرة على مواجهة المخاطر والوقاية من الخسائر، خاصة مع التوسع المتزايد في إنتاج الغذاء المائي والاعتماد على التقنيات الحديثة في إدارة المزارع السمكية ومشروعات الاستزراع المائي.
وأوضح الاتحاد أن نجاح التحول الرقمي في هذا القطاع لا يرتبط بمجرد شراء الحساسات أو تركيب أنظمة المراقبة، وإنما يتطلب دمج البيانات التي توفرها هذه التقنيات في إجراءات التشغيل والصيانة والأمن الحيوي واستمرارية الأعمال، بما يساعد على اكتشاف المخاطر مبكرًا والتعامل معها قبل تحولها إلى خسائر كبيرة.
وشدد الاتحاد، عبر نشرته الأسبوعية، على أهمية وضع منظومة متكاملة لإدارة البيانات والمخاطر، بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة فعالة لحماية المخزون الحي والأصول والمعدات، وليس مجرد أدوات لرصد المؤشرات دون اتخاذ إجراءات عملية بناءً على نتائجها.
142 مليون طن إنتاج الاستزراع المائي عالميًا.. لماذا تتزايد أهمية إدارة المخاطر؟
وتشير أحدث البيانات الدولية المنشورة في عام 2026 إلى أن إنتاج الاستزراع المائي سجل مستوى قياسيًا بلغ 142 مليون طن، منها 103 ملايين طن من الحيوانات المائية و39 مليون طن من الطحالب، وهو ما يعكس التوسع الكبير الذي يشهده هذا النشاط على مستوى العالم.
ويرتبط هذا النمو بزيادة الطلب على الغذاء المائي، إلى جانب استقرار إنتاج المصايد الطبيعية نسبيًا، الأمر الذي جعل الاستزراع المائي أحد المكونات الرئيسية لإنتاج الغذاء المائي عالميًا.
ومع اتساع حجم الإنتاج، ترتفع قيمة المخزون الحي والأصول والمعدات المعرضة للمخاطر، خاصة في المشروعات التي تعتمد على كثافات تربية مرتفعة، وأنظمة تشغيل متطورة تشمل المضخات وأجهزة التهوية والأكسجة والترشيح وأنظمة تدوير المياه.
وتزيد هذه العوامل من أهمية وجود أنظمة فعالة لمراقبة ظروف الإنتاج، والتعامل السريع مع أي تغيرات قد تهدد سلامة المخزون أو تؤثر على استمرارية النشاط، إذ يمكن أن يؤدي تعطل أحد المكونات الأساسية إلى سلسلة من التداعيات التي تتسبب في خسائر إنتاجية ومالية.
انخفاض الأكسجين قد يتحول إلى كارثة.. كيف تختلف خسائر الاستزراع المائي؟
وأوضحت نشرة اتحاد شركات التأمين المصرية أن خسائر الاستزراع المائي تختلف عن خسائر الممتلكات التقليدية، بسبب الطبيعة الحساسة للمخزون الحي وسرعة تأثره بالتغيرات التي تحدث في البيئة المحيطة.
فقد يبدأ الحادث بانخفاض محدود في مستوى الأكسجين المذاب بالمياه، أو ارتفاع درجة الحرارة، أو حدوث تغير في درجة الحموضة والملوحة، أو تراكم الأمونيا، أو تعطل إحدى المعدات الحيوية داخل المشروع.
لكن هذه التغيرات التي قد تبدو محدودة في بدايتها يمكن أن تتطور خلال فترة قصيرة إلى إجهاد بيولوجي، أو انتشار للأمراض، أو نفوق أعداد كبيرة من المخزون، وصولًا إلى توقف الإنتاج وتحمل المشروع خسائر واسعة.
وتوضح هذه المخاطر أهمية المراقبة المستمرة للمؤشرات التشغيلية والبيئية، وعدم الاكتفاء بالتعامل مع الأعطال بعد وقوعها، إذ تمثل سرعة اكتشاف الانحرافات والتدخل في الوقت المناسب عاملًا أساسيًا للحد من الأضرار وحماية الاستثمارات.
اتحاد التأمين يطالب بإطار موحد لتسجيل بيانات مشروعات الاستزراع المائي
وطالب اتحاد شركات التأمين بضرورة وضع إطار موحد يحدد الحد الأدنى من البيانات التشغيلية التي ينبغي على مشروعات الاستزراع المائي تسجيلها والاحتفاظ بها، مع مراعاة الاختلاف بين الأنواع المستزرعة ونظم الإنتاج وأحجام المشروعات.
كما دعا إلى تحديد متطلبات واضحة لجودة البيانات، ومدة الاحتفاظ بها، وآليات حمايتها، والمسؤوليات المتعلقة بمراجعتها، بما يضمن إمكانية الاستفادة منها في الوقاية من المخاطر والتحقيق في الحوادث وإدارة المطالبات التأمينية.
وتساعد هذه الخطوة على بناء قاعدة معلومات أكثر دقة عن ظروف التشغيل والتغيرات التي تسبق وقوع الحوادث، بما يتيح فهم أسباب الخسائر وتحديد العوامل التي تساهم في تكرارها.
وأكد الاتحاد أن وجود سجلات تشغيلية موثوقة لا يخدم فقط إدارة المشروع، بل يمثل عنصرًا مهمًا في تطوير العلاقة بين مشروعات الاستزراع المائي وشركات التأمين، من خلال توفير معلومات تساعد على تقييم المخاطر بصورة أكثر واقعية.
هل تكفي أنظمة الإنذار الذكية لحماية المزارع السمكية؟
وأكد الاتحاد أن تقييم التقنيات الرقمية المستخدمة في الاستزراع المائي يجب أن يعتمد على قدرتها الفعلية على تقليل الخسائر، وليس على عدد الوظائف أو المؤشرات التي تستطيع توفيرها.
ويتطلب ذلك اختبار أنظمة الإنذار في ظروف تشغيل واقعية، وقياس الوقت الفاصل بين اكتشاف أي انحراف في المؤشرات وتنفيذ الإجراء التصحيحي المناسب، إلى جانب مراجعة الحالات التي لم يتمكن النظام من اكتشافها، أو التي أصدر بشأنها تنبيهات غير صحيحة.
ويعني ذلك أن كفاءة التكنولوجيا لا تقاس بمجرد قدرتها على إرسال إشعارات عند حدوث تغيرات، وإنما بمدى مساهمتها في منع تطور المشكلة وتحويل الإنذار المبكر إلى تدخل عملي يقلل احتمالات وقوع الخسائر.
كما أن الاعتماد على أنظمة المراقبة دون وجود إجراءات واضحة للاستجابة قد يحد من الفائدة المتوقعة من التحول الرقمي، وهو ما يتطلب ربط التكنولوجيا بخطط تشغيل وصيانة واستجابة للطوارئ.
الأتمتة والخبرة البشرية.. اتحاد التأمين يحدد طريقة التعامل مع المخاطر
ويرى اتحاد شركات التأمين أهمية الحفاظ على التوازن بين الأتمتة والخبرة البشرية داخل مشروعات الاستزراع المائي، بحيث تساعد النماذج التحليلية والتقنيات الرقمية في دعم عملية اتخاذ القرار، دون أن تحل محل الرقابة الفنية أو الفحص البيطري.
وشدد الاتحاد على ضرورة تحديد طبيعة القرارات التي يمكن تنفيذها آليًا من خلال الأنظمة الذكية، والقرارات التي تتطلب تدخلًا بشريًا وتقييمًا فنيًا متخصصًا، بما يضمن عدم الاعتماد الكامل على التكنولوجيا في التعامل مع الظروف التي قد تهدد سلامة الإنتاج.
كما أكد أهمية توفير وسائل تشغيل بديلة يمكن اللجوء إليها عند تعطل أنظمة الاتصال أو التحكم، حتى لا يؤدي حدوث خلل تقني إلى توقف العمليات الحيوية أو تأخر الاستجابة للمخاطر.
ويعزز هذا التوازن قدرة المشروعات على التعامل مع الظروف الطارئة، ويضمن استمرار الرقابة على المخزون الحي والمعدات حتى في حالة تعطل بعض الأنظمة الرقمية.
قواعد بيانات الحوادث والخسائر.. وسيلة لتطوير التأمين على الاستزراع المائي
ودعا الاتحاد إلى تطوير قواعد بيانات محلية للحوادث والخسائر المرتبطة بمشروعات الاستزراع المائي، بحيث تتضمن الظروف السابقة للحادث، وتسلسل تطوره، وحجم المخزون المتأثر، ومدة توقف النشاط، والإجراءات التي تم اتخاذها للحد من الأضرار.
وأوضح أن تحليل هذه البيانات يساعد على اكتشاف الأنماط المتكررة للحوادث، وتحسين إجراءات الوقاية، وتطوير حلول تأمينية أكثر ملاءمة لطبيعة المخاطر الفعلية التي تواجه المشروعات.
كما أكد أن استخدام البيانات في إدارة المطالبات التأمينية يجب أن يستند إلى قواعد واضحة تضمن سلامة السجلات وعدم تعديلها دون توثيق، مع ضرورة عدم اعتبار البيانات الرقمية دليلًا منفردًا أو نهائيًا عند التعامل مع المطالبات.
وتكتسب هذه القواعد أهمية خاصة في ظل الطبيعة المتغيرة لمخاطر الاستزراع المائي، إذ تساعد المعلومات الموثقة على تكوين صورة أكثر وضوحًا عن الحادث وأسبابه والظروف التي أدت إلى وقوعه.
اتحاد التأمين يحذر من فجوة الحماية بين المشروعات الكبرى وصغار المنتجين
وأكد اتحاد شركات التأمين المصرية أهمية ألا يؤدي التحول الرقمي إلى اتساع فجوة الحماية بين المشروعات الكبرى وصغار المنتجين، خاصة أن تكلفة بعض الأنظمة والتقنيات المتقدمة قد تمثل تحديًا أمام المشروعات محدودة الإمكانات.
واقترح الاتحاد دعم تطبيقات تدريجية منخفضة التكلفة، تبدأ بالتركيز على المؤشرات الأكثر تأثيرًا في بقاء المخزون الحي وسلامته، مع توفير التدريب والدعم الفني اللازمين للمستخدمين.
وبعد ذلك يمكن التوسع في استخدام الأنظمة الأكثر تقدمًا وفقًا لحجم المشروع وقدرته على الإدارة والاستجابة، بما يتيح لصغار المنتجين الاستفادة من التحول الرقمي دون تحمل أعباء مالية لا تتناسب مع إمكاناتهم.
وتساعد هذه الرؤية على توسيع نطاق الاستفادة من التكنولوجيا، وتعزيز قدرة مختلف المشروعات على الوقاية من الخسائر، بدلًا من اقتصار تطبيقات الاستزراع المائي الذكي على الشركات والمشروعات الكبرى.
التأمين المستدام.. من التعويض عن الخسائر إلى الوقاية من وقوعها
وأشار الاتحاد إلى أن التأمين المستدام يمكن أن يؤدي دورًا يتجاوز مجرد التعويض عن الخسائر بعد وقوعها، من خلال دعم إجراءات الوقاية، وحماية الاستثمارات المرتبطة بالتحول الرقمي، وتشجيع تحسين جودة السجلات التشغيلية.
كما يمكن الاستفادة من بيانات الحوادث في الحد من تكرارها، وتعزيز قدرة مشروعات الاستزراع المائي على استعادة نشاطها بعد وقوع الضرر، بما يدعم استمرارية الأعمال ويحافظ على الاستثمارات في هذا القطاع.
وتبرز أهمية هذا الدور في ظل زيادة الاعتماد على التكنولوجيا والمعدات المتخصصة في عمليات الإنتاج، الأمر الذي يجعل توفير الحماية التأمينية المناسبة جزءًا مهمًا من منظومة إدارة المخاطر.
اتحاد شركات التأمين: نجاح الاستزراع المائي الذكي يقاس بقدرته على تقليل الخسائر
واختتم الاتحاد بالتأكيد على أن نجاح الاستزراع المائي الذكي لا يقاس بحجم البيانات التي يتم جمعها أو عدد الأجهزة والتقنيات المستخدمة، وإنما بمدى تحويل هذه البيانات إلى قرارات وإجراءات عملية تقلل احتمالات وقوع الخسائر وتحد من آثارها.
وأوضح أن التكنولوجيا تظل أداة مساندة ضمن منظومة متكاملة ترتكز على الإدارة السليمة، والصيانة الدورية، والأمن الحيوي، والاستجابة للطوارئ، إلى جانب توفير الحماية التأمينية المناسبة.
ويعكس هذا التوجه أهمية الانتقال من مجرد مراقبة المؤشرات داخل مشروعات الاستزراع المائي إلى بناء منظومة متكاملة لإدارة المخاطر، تعتمد على البيانات الدقيقة والتدخل المبكر والخبرة البشرية والتأمين، بما يعزز قدرة القطاع على مواجهة التحديات وتحقيق الاستدامة.