البنك المركزي الأوروبي يثبت أسعار الفائدة وسط مخاوف من ارتفاع التضخم.. هل تعود الزيادة في ديسمبر؟
قرر البنك المركزي الأوروبي تثبيت أسعار الفائدة، اليوم الخميس، في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع، لكنه حذر من تصاعد مخاطر التضخم بسبب الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة، ما يعزز احتمالات اتجاه الأسواق نحو توقع زيادة جديدة في أسعار الفائدة خلال ديسمبر المقبل.
ويأتي القرار في وقت تواجه فيه منطقة اليورو تحديات اقتصادية متزايدة، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة تداعيات الحرب مع إيران، الأمر الذي يضع صانعي السياسة النقدية أمام معادلة صعبة بين احتواء التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي.
أسعار الفائدة الأوروبية ثابتة.. ومخاطر التضخم تتصاعد
وأبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، رغم استمرار الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة، مشيرًا إلى أن ارتفاع تكاليف النفط والغاز يفرض مخاطر صعودية على توقعات التضخم، مقابل مخاطر هبوطية على النمو الاقتصادي.
وأكد البنك أن التضخم الأساسي ظل مستقرًا إلى حد كبير، كما لم تظهر الأجور استجابة ملموسة لارتفاع الأسعار حتى الآن. لكنه حذر من أن استمرار صدمة الطاقة وزيادة حدتها قد يدفعان التضخم إلى الارتفاع، ويؤثران سلبًا على النشاط الاقتصادي.
وتعكس هذه التصريحات حالة الحذر التي تسيطر على توجهات البنك المركزي الأوروبي، إذ يراقب صانعو السياسة النقدية مدى انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية السلع والخدمات، وما إذا كانت الضغوط السعرية ستظل مؤقتة أم تتحول إلى موجة تضخم أكثر استمرارًا.
ويعزز تحذير البنك المركزي الأوروبي بشأن مخاطر التضخم توقعات الأسواق بإمكانية رفع أسعار الفائدة خلال ديسمبر المقبل، لكن القرار لم يُحسم بعد، إذ يرتبط بتطورات أسعار الطاقة وبيانات التضخم والأجور والنمو خلال الفترة المقبلة.
وكان البنك قد رفع أسعار الفائدة مرتين خلال العام الحالي، بهدف منع الارتفاعات المرتبطة بالطاقة، والتي جاءت على خلفية الحرب مع إيران، من التحول إلى ضغوط تضخمية راسخة.
ورغم إشارته إلى احتمال الحاجة إلى مزيد من الزيادات، لا يبدو البنك مستعجلًا لاتخاذ خطوة جديدة ما لم تظهر أدلة على انتقال آثار ارتفاع الطاقة إلى الأسعار والأجور بصورة أوسع وأكثر استمرارًا.
ويعني ذلك أن مسار الفائدة الأوروبية خلال الأشهر المقبلة سيظل مرتبطًا بمدى استمرار الضغوط التضخمية، ومدى تأثيرها على النشاط الاقتصادي في دول منطقة اليورو.
ارتفاع أسعار النفط والغاز يضع الاقتصاد الأوروبي أمام تحديات جديدة
وحذر البنك المركزي الأوروبي من أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يفرض ضغوطًا مزدوجة على الاقتصاد، إذ قد يؤدي إلى زيادة التضخم من جهة، وإضعاف النمو من جهة أخرى.
وتكمن المخاوف في أن ارتفاع تكلفة الطاقة لا يقتصر تأثيره على فواتير الوقود والكهرباء، بل قد يمتد إلى تكاليف الإنتاج والنقل والخدمات، بما يرفع الأعباء على الشركات والأسر.
وإذا استمرت هذه الضغوط لفترة طويلة، فقد تجد الشركات نفسها أمام تكاليف تشغيل أعلى، بينما تواجه الأسر تراجعًا في قدرتها الشرائية. وفي الوقت نفسه، قد يصبح البنك المركزي أمام خيارات أكثر صعوبة إذا ارتفعت الأسعار مجددًا بينما يتباطأ الاقتصاد.
وأشار البنك إلى أن زيادة حجم صدمة الطاقة ومدتها قد تدفع التضخم إلى مستويات أعلى، وتؤثر سلبًا على النمو، وهو ما يجعل متابعة تطورات أسواق الطاقة عاملًا أساسيًا في قرارات السياسة النقدية المقبلة.
ولا تقتصر التحديات التي تواجه البنك المركزي الأوروبي على التضخم وحده، إذ تثير أوضاع التمويل المتدهورة، ولا سيما في فرنسا، مخاوف بشأن النمو والاستقرار المالي.
وارتفعت تكاليف الاقتراض في فرنسا بصورة حادة خلال الأشهر الأخيرة، وسط توقعات بتباطؤ تدفق الائتمان، وهو ما قد يفرض قيودًا إضافية على النشاط الاقتصادي.
كما اضطرت فرنسا إلى دفع علاوة تصل إلى 155 نقطة أساس فوق تكلفة الاقتراض الألمانية للحصول على تمويل لأجل عشر سنوات، وهي أعلى علاوة منذ عقود، وفقًا للتفاصيل الواردة في التقرير.
ويعكس اتساع الفارق في تكاليف الاقتراض بين فرنسا وألمانيا الضغوط التي تواجه التمويل الفرنسي، ويزيد من تعقيد البيئة الاقتصادية التي يتخذ البنك المركزي الأوروبي قراراته في ظلها.
تشديد الأوضاع التمويلية قد يحد من التضخم والنمو
وأوضح البنك المركزي الأوروبي أن الأوضاع التمويلية تشددت منذ الاجتماع الأخير لمجلس المحافظين، مرجحًا أن يؤثر ذلك سلبًا على التضخم والنمو الاقتصادي.
ويعني تشديد التمويل ارتفاع تكلفة الحصول على القروض أو صعوبة الوصول إليها، وهو ما قد يدفع الشركات إلى تأجيل بعض الاستثمارات، ويحد من قدرة الأسر على الاقتراض والإنفاق.
وقد يؤدي هذا التراجع في النشاط الائتماني إلى تخفيف الضغوط على الأسعار، لكنه قد يضيف في المقابل أعباء على النمو الاقتصادي، خصوصًا في الدول التي تواجه بالفعل ارتفاعًا في تكاليف الاقتراض.
وبذلك، يواجه البنك المركزي الأوروبي هامشًا ضيقًا للتحرك خلال الأشهر المقبلة؛ إذ إن رفع الفائدة قد يساعد على احتواء الضغوط التضخمية، لكنه قد يزيد تكلفة التمويل، بينما قد يؤدي التريث إلى استمرار المخاطر إذا تحولت صدمة الطاقة إلى تضخم واسع النطاق.